من أجل ديمقراطية إيجابية

28 ديسمبر 2017 - 15:31

هناك لحظات أو ظروف تصبح كل القرارات، التي يمكن اتخاذها إزاء موضوع تعقد بشكل كبير، غير مرضية لأي أحد. ومع ذلك يجب اتخاذ قرار ما. في مثل هذه الحالات نتجشم في الغالب كل العناء لتجنب الحسم ولأطول مدة ممكنة، حتى نجد أنفسنا أمام الباب المسدود.
هذا بالضبط ما حدث مع مطار “نوتر دام دي لاند” (في غرب فرنسا). هذا المشروع عمره أكثر من 50 سنة. فمن تراجع إلى آخر، من احتلال عنيف إلى استفتاء جهوي، وصلنا اليوم إلى وضع معلق لم تسعف لجنة أخيرة في الخروج منه.
إن هذه القضية تحيلنا في الواقع على مشكل أضخم بكثير: كيف يمكن لمؤسسات ديمقراطية، يجب عليها تقديم الحساب على فترات متقاربة جدا، أن تتخذ قرارات لا يمكن قياس أثرها سوى على المدى الطويل جدا (ما أسميه كذلك “قرارات إيجابية)؟ فإذا لم تكن مؤسسات الجمهورية تعتبر حائزة على الشرعية التي تخول لها اتخاذ مثل هذه القرارات، فإن آليات أخرى تتدخل، وتكون مفروضة من طرف سلطة استبدادية، أو مجموعات ضغط على سلطة ديمقراطية ضعيفة جدا وغير قادرة على تحمل مسؤولياتها.
واحتلال المنطقة المخصصة لهذا المطار تعبد الطريق لمثل هذه الانحرافات. والسماح للمحتلين (les zadistes ، نسبة إلى لفظة ZAD، وهي اختصار لعبارة “zone à deffendre”) بفرض وجهة نظرهم، حتى وإن كانت مبررة، يشكل إلغاء خطيرا جدا للديمقراطية، لأن هذا سيعطي الانطباع بأن الإرهاب الأخضر يتحلى بالشرعية. وبالتالي، فمن الأساسي، بدءا، عدم السماح بالاحتلال الدائم لمثل هذه المناطق. لا شك أن تحقيق هذه الغاية يتطلب اللجوء إلى تدخل الشرطة الديمقراطية سواء داخل هذه المناطق أو في البلدات والمدن المجاورة، مع بذل كل الجهود لتجنب التجاوزات، وترحيل المحتلين بأقصى سرعة، قبل الإعلان عن أي قرار مهم ومصيري.
لو كان لدينا مزيدا من الوقت، لو كان بالإمكان تأخير اتخاذ القرار أكثر، فيتعين بلا شك ترك الحسم في الأمر لـ”غرفة الأجيال المقبلة”، المشكلة بطريقة ديمقراطية. فهذه الغرفة ستتخذ قرارها بناء على مصلحة الأجيال المقبلة.

إذا لم يتبق وقت لمزيد من التفكير في الأمر، يمكن للحكومة، ولكن فقط، بعد ترحيل المحتلين للمنطقة، اتخاذ أي من القرارات لأنها ستكون قد فرضت احترام دولة القانون. لو كان القرار بيدي، لقررت التراجع عن بناء هذا المطار، ولكن بعد ترحيل المحتلين وليس قبله.

إذا لم نتحرك، وإذا تركنا الشارع يفرض وجهة نظره، فسنرى هذا الإرهاب الأخضر يفرض سطوته على العديد من القضايا الأخرى، مثل المحطات النووية وخطوط الـ”تي جي في”، وتشييد مراكز لتدبير النفايات. وسننتقل يوما من الإرهاب الأخضر إلى الدكتاتورية الخضراء.
إن هذا السؤال يطرح، كذلك، على المقاولات التي يجب عليها، في الآن نفسه، إرضاء مساهميها الباحثين عن الربح الفوري، وخدمة مصالح المدى البعيد لزبنائها وأجرائها، وكذلك الأطراف الأخرى المعنية، بما فيها الأجيال المقبلة.

التحلي بالإيجابية – أي العمل من أجل مصلحة الأجيال المقبلة- هو الرهان الأساسي للأزمنة المقبلة.

ترجمة مبارك مرابط عن “لكسبريس”

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي