مواجع الشتاء..

14/03/2018 - 14:41

تخيّل معي عزيزي القارئ فتاة في ريعان الشباب، سليلة أسرة محافظة (محافظة طقوسية اجتماعية ليست دينية بالضرورة)، وقعت في حب شاب من محيطها الدراسي أو العائلي أو صادفته في واحدة من تلك الصدف السعيدة، حيث تصطبغ الحياة بألوان الورد دفعة واحدة. تَجذّر الحب في قلب الفتاة وبدأ المحبوب يعمر مشاريع المستقبل كما تتصوره: سيسافران معا إلى بلد كذا، وسيؤثثان معا منزل المستقبل حسب ذوقهما الخاص، وسينجبان كذا من الأبناء، الأول سيحمل اسم كذا، والثاني اسم كذا، أو إن كانت بنتا تحمل اسم المحبوبة، وإن كان ابنا يحمل اسم المحبوب. ربما استمرت العلاقة شهورا أو سنين، وصار وجود هذا الحب في حياتها أقوى ملمح لهذه الحياة وأقدرها على مدها بجرعات السعادة والأمل…

وعلى قدر نمو هذا الحب واتساعه، على قدر حرص الفتاة على كتمان سره. كأنها تحمي شيئا جميلا من سلطة الرقباء. وقد يكون الرقيب أبا أو أخا أو عائلة برمتها أو معتقدات رجال قرية ونسائها أو ألسنة حي قاسية أو تدين مشوه يعشعش في عقول أهل دوار أو غيره من ضروب الرقابة المعطوبة.

وكما هي غالب نهايات العشق، يأتي اليوم الفاجع. تتبدّل أحوال الفتاة وتغور عيناها ويضمر سمتها وقد تلازم غرفة في بيتها، تجلس فيها بالساعات، وقد تراودها أفكار الانتحار. فهي لاتزال تصارع بقوة لاستيعاب ما جرى، وهي في طور نفسي يسمى بـ »إنكار الواقع ». وهذا الإنكار ليس اختيارا، وإنما هو آلية دفاع ذاتي تحمي الإنسان من صدمة مدمرة. فينكر الإنسان ما جرى مخافة تصديقه!

المهم أنه في هذه اللحظات الصعبة جدا يمكن لتدخل الآخر القريب أن يكون سببا من أسباب البقاء أو الفناء. في قلب وعقل الفتاة، كما ذكرت، الحب يسكن مساحة واسعة جدا، يسكنه، أيضا، في وجدانها وأفكارها ومستقبلها وحتى ذكرياتها.. فكلما أدارت وجهها إلى الخلف رأت تلك الذكريات. وبعد انقطاع علاقة الحب يكون لهذه الذكريات منظر بشع وقاتل. ولنتفق، لأغراض هذا المقال، أنه غالبا ما يكتشف الآخرون أمر العلاقة حين تنتهي، لأنهم يلاحظون تغيّرات غير اعتيادية على أحوال البنت تؤدي بها إلى البوح بالسر طوعا أو كرها. حافظ على هذا الوصف في ذهنك قارئي، ولنمر إلى مشهد ثان. إلى المشهد حيث يكمن المشكل الأخطر، إلى سلطة الرقابة – لو جاز التعبير- التي تكتشف السر في هذا الظرف الحساس بالنسبة إلى الفتاة منظورا إليها بوصفها « مرتكبة للمحظور ».

عقل الرقيب (أيّا كانت صلته بالفتاة وأيّا كان موقعه ضمن الأصناف التي ذكرتها أعلاه)، لا يبالي بكل هذه المأساة النفسية الحادة التي تمر منها ابنته أو أخته أو قريبته، وإنما بسمعته التي « اتسخت »، وكريمته التي خانت ثقته وتداعيات انكشاف العلاقة السرية، والتي قد تكون وصلت حد الجنس، على سمعة العائلة، فيقسو على الفتاة ويمعن في تحقير مرتبتها وتخوينها وأحيانا قد تنخرط الأسرة عن بكرة أبيها في هذا التأنيب الجماعي الحاد للبنت، علما أن هذه الأخيرة في هذه اللحظات بالضبط تمر بأسوأ أزمة نفسية في تاريخها، وهي منهكة تماما وفي حالة صدمة. وإذا بالجميع يلومها قدحا في هذه اللحظة الحرجة بالضبط، وهي أحوج ما تكون لمن يأخذ بيدها ويخرجها من براثن الاكتئاب باعتبار أن صحة المرء وحياته مقدمة على كل اعتبار. لكن للأسف، قليلا ما ينتبه أحدهم لهذه الجزئية.. ثم يبكي الجميع فلانة التي انتحرت ويتفرقون في أسباب مغادرتها الحياة بهذه الطريقة المفجعة !

يبقى سؤال، لعلّه يشغلك الآن قارئي الكريم، لماذا تكتبُ عن مثل هذه الحالة؟ لأن العين تمُرُّ من حين لحين بقصص انتحار تُدفن أسبابها مع أصحابها وتخلف حزنا في القلب. ولأن هذه الحوادث تتزايد بالبلاد، فقد فكرتُ أن أنبش في تسلسل سببي واحد من ضمن تسلسلات أخرى، يجوز أن يكون وراء صنف منها، عسى البعض يتخذ موقف الإشفاق والرأفة ممن يمرون بأزمات نفسية ذات صلة بعلاقات حب متعثرة، قد تنطبق على الشباب والشابات على حد سواء.. وأيضا لأن الفصل شتاء، وهو، في حقل شعوري معين، فصل النهايات والمواجع..

شارك المقال