« السياسي الحقيقي يفكر أكثر من مرة قبل أن يصمت » ونستون تشرشل
من عبث السياسة أن يُطالب السياسي بالشيء ونقيضه في اليوم ذاته، مما يعبر معه عن قصر النظر في العمل السياسي، بينما يُعرف عن رجالات السياسة الحقيقيين النظر إلى الأفق لا إلى أصابع أرجلهم.
إذ في مرحلة الأزمة السياسية، أو ما كان يطلق عليه البعض بمرحلة « البلوكاج »، تعالت بعض الأصوات مطالبة بإعادة الانتخابات، وكان موقفي آنذاك هو أن هذا المطلبَ عبثي، فلا أحد يضمن نتائج الانتخابات التي يبتغيها، ثم ما الفائدة من إجراء انتخابات جديدة قد تعيد لنا النتائج نفسها، بل والترتيب نفسه، وبالتالي لن تحل الأزمة؟
غير أنه الآن، أصبحنا نسمع دعوات أخرى مناقضة، ومن الأطراف نفسها، منها ما صرح به السيد رئيس الحكومة نفسه، حين نفى بشكل مطلق أن تكون هناك انتخابات سابقة لأوانها، مدافعا بذلك عن استمرارية حكومته إلى نهاية ولايتها.
فدعونا إذن نلاحظ ما يلي:
حين أعلن السيد رئيس الحكومة عن عدم إجراء أية انتخابات سابقة لأوانها، يكون تصريحه خارج اختصاصه الدستوري، فالانتخابات السابقة لأوانها قرار بيد جلالة الملك (الفصل 96 من الدستور)، بل حتى عندما يرتئي رئيس الحكومة حل مجلس النواب، فالقرار للمجلس الوزاري والذي يترأسه جلالة الملك (الفصل 104 من الدستور).
وقبل ذلك، يجب أن نتفق أولا أن أي قرار يُتخذ في شأن انتخابات سابقة لأوانها، هو موضوع يتداخل فيه ما هو داخلي بتجلياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بما هو خارجي بإشكالاته المطروحة على بلادنا كفاعل دولي، لذلك فقرار بهذا الحجم، ليس موضوع لحظة انفعالية أو حسابات حزبية ضيقة.
وعليه، لا يجوز أن يكون قرار من هذا الحجم موضوع مزايدات سياسية، فنحن نعتقد أن الاستقرار الحكومي جزء من الاستقرار السياسي، وأن الديمقراطية تفرض علينا ليس فقط، أن نتمنى ما نريده، فطبيعة السلطة التي مصدرها العملية الديمقراطية محدودة في الوقت، لكن لها امتدادات في الزمن السياسي، لذلك لا يجب أن تكون موضوع تحاليل تهم الظرفية المرحلية الضيقة جدا، بحيث قبل سنة كنا ننادي بانتخابات سابقة لأوانها لممارسة ضغط سياسي لخدمة أجندة حزب بعينه. واليوم، نصرح بضرورة الاستمرارية بدون انتخابات سابقة لأوانها.
فالنص الدستوري ليس مُزحة، ولم يكن في يوم من الأيام مجرد حالة هُلامية لخدمة وضع أو قوة سياسية معينة، فالفصل 47 من الدستور الذي هو في الأصل اقتراح ملكي، سيبقى نصا مثيرا للنقاش، يفسره الدستوريون ويتحايل عليه السياسيون، لكن تفسيره العملي سيظل من خلال قرارات ملكية ذات دلالة ورمزية، خاصة وأن اللجنة الاستشارية التي كلفت بصياغة دستور 2011، استطاعت أن تُسيج قضية حل البرلمان بإجراءات قانونية جعلتها في يد جلالة الملك بصفته رئيسا لمجلس الوزراء، ونظرا إلى كون المسطرة المحددة دستوريا لا يمكن الزيغ عنها، فلا يجوز تحويلها إلى نوع من الاحتمالات السياسية، أو حتى الاعتقاد بإمكانية إدارة هذه المسطرة لفائدة هذا الحزب أو ذاك، علما أننا لا نلغي أن لموازين القوى تأثير على مسارها.
وفي جميع الأحوال، فإن النص الدستوري الذي يهم ضمان استمرارية مؤسسات الدولة، يتعين التعامل معه باختزال شديد أثناء التفسير، لضمان سير وحسن إدارة هذه المؤسسات، وبذلك يبقى الحديث عن التفسير الديمقراطي وغير الديمقراطي للدستور مجرد نعوت سياسية، لأننا لو دخلنا في هذا التقييم، فسنطرح السؤال العريض وبعمق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كالآتي:
في السنوات الست الأخيرة، من كانت له القدرة والإمكانات السياسية للتشبث بالتفسير الديمقراطي للدستور؟ أليس الذين تنازلوا من موقع السلطة عن اختصاصات كثيرة، بدعوى خلق علاقات الثقة وضمان استمرارية التجربة وغيرها من الشعارات الأخرى، هم أنفسهم من يقفون اليوم ليقولوا إن هناك ارتدادا ديمقراطيا.