درس من الصحراء

09 أبريل 2018 - 12:15

بعد مرور أكثر من أربعين سنة على فكرة المسيرة الخضراء، التي أعادت تموقع المؤسسة الملكية بأمان في قلب النظام السياسي المغربي، الذي كان قد جعلها مع بداية السبعينات بين مطرقة معارضة سياسية شرسة وسندان محاولات انقلابية دموية؛ مازالت الصحراء تقدم لنا دروسها العميقة. الدروس السابقة بدأت مع ما وفرته قضية الصحراء من فرصة للانصهار الجماعي في فكرة وطنية تفتح نوافذ الأمل في الديمقراطية، وانتهاء بالمكاسب والخطوات الحقوقية التي جاءت لكسر أسلحة الخصوم، يتقدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجنه الجهوية، ثم فكرة الحكم الذاتي والجهوية التي تستبطن السعي نحو العدالة المجالية والتعدد في ظل الوحدة.

لكن الدرس الجديد الذي تقدمه لنا قضية الصحراء، وهي تقبل اليوم على واحدة من أزماتها السنوية، كان حين دعيت المؤسسات والأحزاب السياسية إلى اجتماعات طارئة، وهي اليوم الاثنين مدعوة إلى ركوب رحلة جوية استثنائية نحو عاصمة الجنوب المغربي، مدينة العيون. الخطوة هذه المرة استثنائية لأنها جاءت في سياق استثنائي. الأحزاب وغرفتا البرلمان والحكومة تستنفر اليوم، وهذا واجبها والمطلوب منها في جميع الأحوال، لكن ذلك يتم اليوم في لحظة بلغت فيها سرعة الانحدار بهذه المؤسسات ومكوناتها سرعتها القصوى.

لا أحد يمكنه اليوم أن يمنع ذاكرته من استحضار الطريقة التي وصلت بها قيادات «أهم» الأحزاب السياسية في البلاد إلى موقع الزعامة المفترى عليها. لا تصريحات المرحوم أحمد الزايدي حول ما جرى في المؤتمر التاسع للاتحاد الاشتراكي ببعيدة عنا، ولا غزوة ولد الرشيد للإطاحة بحميد شباط من قيادة حزب الاستقلال قابلة للنسيان، ولا عوامل الضغط التي رافقت صعود رئيس الحكومة الحالي، سعد الدين العثماني، إلى قيادة المصباح، ولا طريقة مصباح علاء الدين التي أخرجت أخنوش زعيما للأحرار، ولا ما يتحمّله حزب التقدم والاشتراكية من تحديات لدفعه إلى إكمال عقد الزعامات المخلوعة… كل ذلك يرسم عناوين المرحلة ويحكم السياق.

استدعاء لجنتي الخارجية في مجلسي البرلمان إلى اجتماع استثنائي مع وزيري الداخلية والخارجية، وانتقال مسؤولين سامين في الدبلوماسية للاجتماع مع رئيس الحكومة، وإطلاعه على الحجج والدلائل التي يتوفر عليها المغرب للرد على خصومه، كل ذلك كان مدعاة لفرحة استثنائية، لأن الشك دب في النفوس حول إلغاء ضمني للمؤسسات، وتشتيت بقايا هيئات الوساطة والتأطير السياسيين. الخطوة، وحتى تدخل خانة الرصيد الإيجابي، تتطلّب تكريسها عبر استئناف المسار الديمقراطي، واقتلاع أضرس باتت راسخة في حقول الريع والهيمنة غير المشروعة، من جانب بعض «نخب» الصحراء.

الدرس اليوم يقول إن المغرب، دولة ومجتمعا، قوي بمؤسساته أولا، وبتوافقه ثانيا. المؤسسات، ومن خلالها الأحزاب السياسية، لا فائدة منها إن لم تحز ثقة المجتمع وانخراطه، والتوافق لا يستقيم دون قواعد ديمقراطية وعادلة. الدرس اليوم يفيد بأن من يحاول أن يبيع الدولة مشروع هيمنة مطلقة لا رقابة ولا معارضة ولا مساءلة فيها، يحاول تسويق الوهم. المغرب قوي بتعدديته وانفتاحه وحرياته. المغرب قوي بأحزاب مستقلة القرار، ومؤسسات فعلية التمثيل، وصحافة حرة ومهنية. درس التعبئة الوطنية الحاصلة اليوم حول الصحراء، جاء ليذكرنا بأننا أخلفنا الموعد مع مصلحتنا الجماعية، حين فشلنا في تفعيل مؤسسة رئيس حكومة منتخب بشكل ديمقراطي، لا لشيء سوى لأن الشخص الذي شغل هذا الموقع تجرأ، ليس على قول لا، بل اختار منهج «نعم ولكن». الدرس يذكرنا بأننا فشلنا في تفعيل مشروع الجهوية الذي بشّر به المستشار الملكي عمر عزيمان، والذي يبشرنا من جديد بمشروع آخر لإصلاح التعليم. الدرس يخبرنا اليوم بأننا فشلنا، في الصحراء كما في الريف، في الشرق كما في الغرب، في التمكين للمواطن الذي اختار أن يشارك ويطالب ويراقب، فأضعفنا أحزابه، وحرّفنا مسار إرادته، وحاصرناه بأبواق الدعاية والتشهير والتطبيل.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.