«تطبيق» المحروقات و«تطبيع» الأسعار

10/04/2018 - 13:45
«تطبيق» المحروقات و«تطبيع» الأسعار

من الجيد أن تسارع الحكومة إلى الاحتفاء بتطبيق «محطتي»، وكأنه فتح مبين. هذه الخدمة الإلكترونية التي أعلنتها الوزارة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة، ستتيح للمواطن التعرف على أسعار المحروقات في محطات البنزين القريبة منه. لكن، هل هذا هو الحل الذي تقدمه الحكومة لإشكالية مدى احترام التنافسية في تحديد الأسعار، بعد حذف الدعم وانخفاض سعر برميل النفط في السوق الدولية؟ بالاطلاع سريعا على التطبيق، لا تبدو الفروق كبيرة بين المحطات سوى ببضعة سنتيمات، وهذا وحده يثير تساؤلات. كأن هذه الشركات تشتري المحروقات من المورد نفسه، وتتحمل تكاليف النقل والتخزين نفسها، وتبيع بالسعر نفسه للمحطات. لنعد قليلا إلى الوراء لنرى كيف تطورت الأمور. في 2012، وصل دعم الحكومة لاستهلاك المحروقات إلى حوالي 58 مليار درهم (مبلغ يعادل تقريبا ميزانية وزارة التربية الوطنية)، ما تسبب في عجز في الميزانية فاق 7 في المائة، وجعل البلاد على شفا أزمة مالية، فقررت حكومة بنكيران الشروع التدريجي في تقليص الدعم، فحُذف درهم من الدعم في كل لتر، ثم تمت، تدريجيا، إزالة الدعم كليا في دجنبر 2015. كانت النتيجة هي أن الدولة عالجت أزمة ميزانيتها وقلصت العجز، لكنها تركت المواطنين دون حماية وجها لوجه مع شركات المحروقات. لم يتم تعيين مجلس المنافسة، وهو مؤسسة دستورية مهمتها مراقبة حرية الأسعار والمنافسة، ولم يتم تفعيل قانون حرية الأسعار والمنافسة، وبقيت الحكومة مكتوفة الأيدي. كانت النتيجة هي أن شركات المحروقات تصرفت دون مراقبة، وحددت الأسعار كما شاءت دون مراعاة تراجعها دوليا. هذه الشركات حققت في معظمها أرباحا كبيرة في نهاية 2016، فاقت 100 في المائة أحيانا. واعترف الوزير المكلف بالشؤون العامة والحكامة، لحسن الداودي، بأن الشركات رفعت من هوامش الربح، وحققت أرباحا مضاعفة بعد حذف الدعم، وأعلن تشكيل لجنة من الوزارة للتحقيق في الأمر، دون أن تُكشف نتيجة هذا التحقيق. كما قامت لجنة المالية بمجلس النواب بتشكيل لجنة استطلاعية، اشتغلت، مدة شهرين، من أجل التوصل إلى حقيقة أسعار المحروقات، ومدى وجود تواطؤ بين الشركات بشأن الأسعار، وأعدت تقريرا بهذا الشأن، لكن التقرير لم يُعرض لحد الآن، لأن هناك من لا يريد عرض التقرير ومناقشته. حتى والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، عندما سئل عن رأيه في أسعار المحروقات المرتفعة، رد بأنه لا يريد التعليق على الموضوع، لأنه يخشى رد فعل لوبي الشركات، وقال: «أش داني لهاد لقرع نمشط لو راسو».
نحن إذن أمام وضع غريب في بلاد تدعي احترام الحقوق. الدولة عالجت مشكل الميزانية، وهذا إنجاز مهم، والشركات استفادت بمراكمة الأرباح، في حين بقي المواطن الحلقة الضعيفة، دون حماية لحقه في ضمان أسعار تنافسية. يجب أن نقول بصراحة إن الحكومة السابقة أساءت تدبير هذا الملف، لأنه كان عليها ألا تحرر الأسعار إلا بعد تعيين مجلس المنافسة، حتى تكون سلطة مراقبة حرية الأسعار فعالة، وحتى تُضمن حقوق المستهلك في الحصول على أسعار تنافسية. أما الحكومة الحالية فلجأت إلى التغطية على عجزها بإخراج «تطبيق إلكتروني»، والاحتفاء به في لقاء كبير حضره رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، وكأنه إنجاز كبير من شأنه تخفيض الأسعار. كان ممكنا إطلاق التطبيق دون بهرجة، لأنه مجرد «خدمة» للتعرف على الأسعار و«التطبيع» معها.

شارك المقال