تناقضات

17 أبريل 2018 - 14:09

يصعب فهم ما حدث ويحدث في المغرب منذ إقرار دستور 2011، إثر موجة الربيع العربي. كثير من التحولات السياسية وقعت، لكن كلما خطونا خطوة إيجابية تبعتها خطوات في الاتجاه المعاكس. هناك عدة صور لهذه التناقضات، وهذه بعض منها: أولا الدستور الجديد، رغم تكريسه ازدواجية السلطة التنفيذية، فإنه وضع أسس ممارسة ديمقراطية، لكن، بعد سبع سنوات، تبين أن النص كان في واد والممارسة في واد آخر، ما أدى إلى تراجعات لا ينكرها أحد اليوم. أكبر تراجع حصل، في تقديري، هو ضرب الممارسة الحزبية واستقلالية القرار الحزبي. ومن يتابع حال الأحزاب اليوم يعرف جيدا ما يجري، خاصة الأحزاب المحسوبة على صف الحركة الوطنية. يمكن أن نلاحظ أنه بموازاة التقدم الذي حصل في الإصلاح الدستوري، حصلت انتكاسة حزبية كبيرة داخل حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي على الخصوص، دون الحديث عن الأحزاب التي توصف بالإدارية. حال الحزبين العريقين اليوم ناطق بهذا الواقع. فما قيمة نص دستوري متطور إذا كانت الأحزاب فاقدة استقلاليتها وضعيفة، وغير قادرة على تأطير المواطنين، ومستقيلة من مهامها. مازلت أذكر أنه عندما أعلن الأمين العام السابق لحزب الاستقلال مغادرة حكومة بنكيران سنة 2013، سألت قياديا في الحزب عن سبب مغادرة الحكومة، فرد بأنه لا يعرف السبب، وأقسم على ذلك. أما الاتحاد الاشتراكي، فهو يعيش وضعا صعبا منذ تشكيل حكومة إدريس جطو سنة 2002، لكنه انحدر أكثر منذ 2012، بدليل الطريقة المهينة التي دخل بها إلى الحكومة الحالية مدعوما من الأحرار. أما حزب العدالة والتنمية الذي سطع نجمه منذ انتخابات 2007، واكتسح انتخابات 2011 و2015 و2016، فهو أيضا في وضع لا يحسد عليه منذ إعفاء أمينه العام السابق، عبد الإله بنكيران، إلى درجة جعلت أحد قادته يقول إن على الحزب تدبير نزوله الهادئ حتى لا يسقط.

الصورة الثانية تتعلق بالجانب الحقوقي. فالمغرب صادق على العديد من الاتفاقيات الدولية في السنوات الأخيرة، منها اتفاقية مناهضة التعذيب، ووافق على إنشاء آلية وطنية لمناهضة التعذيب، وسبق ذلك استقبال بلادنا عددا من الآليات الأممية لحقوق الإنسان، أبرزها لجنة مناهضة التعذيب، التي زارت مخافر الشرطة والسجون، واستمعت إلى المعتقلين، وأعدت تقريرا يقر بأن التعذيب ليس ممارسة ممنهجة في المغرب، لكن يتم التساهل معه من خلال الإفلات من العقاب. لكن هذه الخطوات الإيجابية لم تمنع استمرار ادعاءات ممارسة التعذيب وكل الأشكال الحاطة بالكرامة، مثل ما صدر عن ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف، من تصريح أمام المحكمة من أنه تعرض لممارسات تعود إلى سنوات الماضي. مثل هذه الشهادات سمعناها خلال اعتقالات السلفية الجهادية، وكان لها أثر سلبي على صورة المغرب داخليا وخارجيا، وقبل ذلك كانت معروفة في سنوات الرصاص، ووقفت عليها هيئة الإنصاف والمصالحة. لكن، أن تستمر مثل هذه الإدعاءات، دون فتح تحقيق مستقل لمعرفة الحقيقة، فهذا أمر مخيف.

الصورة الثالثة، هي حرية التعبير والصحافة. فالممارسة اتجهت أخيرا إلى ترويج قانون الصحافة الجديد باعتباره خاليا من العقوبات السالبة للحرية، وفعلا فقد تم «إفراغه»، من العقوبات السجنية، لكن تم نقل هذه العقوبات إلى القانون الجنائي. كما أن الطريقة التي تم بها اعتقال صحافي معروف هو توفيق بوعشرين، مدير «أخبار اليوم»، في 23 فبراير الماضي، تبعث رسائل خاطئة حول تعامل السلطة مع الصحافة. فإذا كان الأمر يتعلق بشكايات ضده ليس فيها تلبس، فهذا أمر عادي يجب أن تسلك بشأنه مساطر عادية، لا أن يتم اعتقاله من طرف العشرات من رجال الشرطة كأنه إرهابي.

الصورة الرابعة تتعلق بمجال حرية التظاهر، فالخطاب الرسمي يعترف بالحق في التظاهر، لكن، في الوقت نفسه، تتجه الممارسة إلى المنع والقمع مثلما حدث في جرادة. من السهل تبرير القمع والمنع بوجود أجندات لتنظيمات تريد تأزيم الوضع، لكن هذا لا يخفي حقيقة الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي دفعت سكان جرادة إلى الخروج للاحتجاج. سبق أن سألت شخصية لها علاقات واتصالات مع دوائر قريبة من السلطة عن سبب استمرار هذه الممارسات المتناقضة، فرد قائلا: هناك حالة من الخوف». الخوف من ماذا؟. رد قائلا: «لا أعرف».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مواطن منذ 4 سنوات

بإختصار : "اللي دوى يرعف !" أو التخريجة المغربية للثورة المضادة في العالم العربي.