أبريل: كذبة "بشار"

18/04/2018 - 14:51
أبريل: كذبة "بشار"

حين تستحكم « الدوغما » لا ينتبه المرء للفرق بين الموقف المبدئي المحكوم بالثبات ونظيره السياسي المحكوم بالتغير تبعا لتبدل الأحوال والباراديغمات والرهانات، وتظل الحالة السورية أبلغ دلالة على الاصطفافات المبنية على الكسل المريح غير المزعج للمادة الرمادية، وهكذا انقسم جمهور « المتفرجين » على المأساة في الرقعة الممتدة من الماء والماء (والماء من ماهيته التبخر) إلى فسطاطين، كل فريق مستكين لجوابه الخاص عن سؤاله الخاص، الذي قطعا ليس هو سؤال المرحلة، فريق يسأل: هل بشار مجرم أفّاك أثيم؟ وفريق يستفهم: هل بشار مقاوم من صف الممانعة؟ وفي المغرب كلا الفريقين شاركا في حركة 20 فبراير/التعبير المغربي عن موجة ربيع الديمقراطية والشعوب بالمنطقة، غير أن فريق أنصار « الجيش العربي السوري قاهر الغزاة » عندنا باتوا يعتبرون ربيع « درعا » مؤامرة من الحلف الأمريكو ــ صهيوني، وطبعا ربيعهم المجهض هو ربيع « ميدان اللؤلؤة »، فيما فريق « حلب تحترق » يرجع كل المأساة لمؤامرة على الربيع لا مؤامرة باسمه، وطبعا يغضون الأبصار عما يقع باليمن من أهوال لا تقل فظاعة عما يحصل بالشام.
كلا الفريقين يتهم أحدهما الآخر أنه ضحية الميديا (« الجزيرة » في مقابل « الميادين »)، لكنهما لم ينتبها لتغير البراديغم، فبراديغم 2011 كان محكوما بثنائية: انتفاضة/ قمع، بينما البراديغم اليوم، بعد ما مرت مياه كثيرة تحت الجسر (ودماء أكثر فوقه) محكوم بخلفية بانوراميا صراع الهيمنات التي تحركها إرادة السيطرة والنفوذ العالميين من مداخل: حرب الطاقة، وطبعا في هذا المناخ تنتعش لوبيات النفط والسلاح والجريمة العابرة للقارات والتهريب والإرهاب، ويصبح كل شيء مباحا، شريطة المحافظة على أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة، والمحافظة على حد أدنى من التوافقات الصريحة أو الضمنية التي تمنع من حدوث حرب كونية جديدة.
في هذه المناخات الرمادية التي تعبر بصدق عن حقبة « ما بعد الحقيقة »، مازال القوم عندنا يستندون إلى يقينيات ومطلقات مريحة، وحتى التطور التكنولوجي ورقمنة مجال الاتصال والتواصل الذي كان الكل يتنبأ بأنه سيفتح العالم على أفق سهولة الوصول إلى المعلومة وتعددية مصادرها، أصبح بدوره مساهما أكثر في تضبيب المشهد وتسييد الإشاعة، وبتنا نشكك في الصور القادمة عبر الفضائيات (من يستطيع الجزم أن ثمة هجوما كيماويا؟ ومن يقف وراءه إذا حدث بالفعل؟ ومن له المصلحة في وقوعه أو الإيهام بوقوعه؟)، ولكنه العمى الإيديولوجي أو التعصب المذهبي ما يجعل فريقا ينتصر لرواية ويُسفه سردية أخرى.
هذا التعصب الذي يترجم في تدوينات وكتابات هائجة ومهيجة يجعل أصحابنا لا ينتبهون لتغير براديغم الصراع في سوريا، ولا ينتبهون للعبة المصالح التي تجعل بشار مصلحة روسية ــ أمريكية، ونهاية نظامه غير مرتبطة بضربات أمريكية أطلسية ولا بتحليقات طائرات صهيونية، لا أقصد وجود مسرحية كما يتوهم معتنقو المذهب « المؤامرتوي »، بل أقصد أن الخلفية التبريرية للوجود الروسي بسوريا كما للهجوم الأمريكي عليها يجعل من وجود بشار ضرورة موضوعية (لتبرير »الدفاع » عن نظام شرعي، أو »شرعنة » تدخل من أجل حماية شعب من جرائم مفترضة ضد الإنسانية)، لكن عمى الألوان والشعارات والفضائيات جعل البعض يتوهم نهاية لبشار على يد عدوان خارجي، وجد من يبرر له أو يهلل أو يدافع عنه، ففي هذه المأساة لا ترتبط نهاية بشار سوى باستنفاد مهامه، حين لن يعود لوجوده معنى في معادلة الالتقاء الموضوعي بين روسيا وأمريكا على بقائه.
إذا كان « الواقعيون » يؤمنون بمقولة: « لا عداوة دائمة في السياسة، كما لا صداقة دائمة، بل فقط مصالح دائمة »، وإذا كان « المثاليون » يستبدلون المصالح الدائمة بالمبادئ الدائمة، فإن المتعصبين يجعلون الأحقاد هي الدائمة، فيما المصابون بداء فقدان المناعة المكتسبة أمام الفضائيات فيرتحلون بين المواقف والقبائل دون بوصلة هادية، يصفون ترامب طورا بالخنزير في واقعة نقل السفارة الأمريكية بإسرائيل للقدس، ويصفقون له حين يقصف مواقع سورية لا تفصلها عن فلسطين سوى كيلومترات معدودة.

شارك المقال