أسئلة الحوار والمراجعات المطلوبة

02/05/2018 - 14:01

في مقالة سابقة اعتبرت بأن الممارسة الواقعية بدون إطار فكري ونظري تتحول – في غياب رؤية سياسية وفكرية متماسكة – إلى مجرد انتهازية ظرفية، بل تتحول أحيانا إلى أداة من أدوات الضبط وكبح أي محاولة للتجديد والإبداع، واعتبرت بأن الأفكار السياسية داخل حزب العدالة والتنمية « تتطور » تحت ضغط الواقع، دون أن تخضع للإنضاج النظري والفكري.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك العديد من الالتباسات الفكرية والمنهجية الموروثة عن « مرحلة الدعوة » أو مرحلة ما قبل « الدولة »، وما قبل تحمل مسؤولية التمثيل السياسي الانتدابي للمواطنين، تساهم في تعطيل الحس النقدي لدى الفاعل السياسي « الإسلامي » وتجعله حبيس بعض التصورات النمطية للعديد من المفاهيم المركزية في العمل السياسي، منها تصوره لمفهوم الدولة ولعلاقة الدولة بالدِّين وعلاقة الممارسة السياسية بالأخلاق وغيرها…

وهو ما يتطلب العمل على التأسيس لمراجعات فكرية ومنهجية للإسهام في التحرر من نوع من التفكير « الطائفي »، الذي ينشغل بحماية « بيضة التنظيم » أكثر من مسؤوليته « التاريخية » تجاه المجتمع.. إن تشديد حزب العدالة والتنمية على المرجعية الإسلامية في خطابه السياسي، يعتبر إضافة محمودة إلى المشهد الحزبي والسياسي، بغض النظر عن غموض الحمولة الفكرية والسياسية للقول باعتماد « المرجعية الإسلامية » في العمل السياسي، واختلاف النتائج المترتبة عن هذا الإعلان، فهناك من يحصر تأثير هذه المرجعية في الجانب الأخلاقي الفردي، وهناك من يتصور أن تبني هذه المرجعية ينبغي أن يكون له انعكاس مباشر على البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي للحزب، وهناك من يتبنى خطابا « سياسيا براغماتيا » حول هذه المسألة، ويكتفي بالقول بأن المرجعية الإسلامية للحزب هي المرجعية المعتمدة نفسها من قبل الدولة والمجتمع أيضا، فالدولة في المغرب دولة إسلامية والمجتمع المغربي مجتمع مسلم!!

والحقيقة أن هذه التصورات المختلفة لا تعفينا من الجواب عن سؤال جوهري، ماذا يعني تبني المرجعية الإسلامية في العمل السياسي؟ بمعنى آخر، ما هي نوعية العلاقة المقترحة لتدبير العلاقة بين الدين والسياسة في السياق المغربي؟ ولتدبير العلاقة بين الدين والدولة على ضوء الخصائص التاريخية المعروفة التي أسهمت في تشكل الدولة في المغرب.

هنا ينبغي الإقرار بطغيان التوجس من مفهوم العلمانية ومحدودية الاعتراف بما قدمته العلمانية كجواب تاريخي في سياقات معينة على هذه الإشكالية. إن العلمانية كتسوية مؤسساتية لضبط العلاقة بين الدين والدولة ساهمت في الحيلولة دون توظيف الدين لخدمة أغراض ومصالح ذاتية بعيدة عن مصالح الدولة والمجتمع، ذلك أن المشكلة ليست في توظيف الدين لخدمة مصالح الدولة، ولكن المشكلة الحقيقية هي في توظيف الدين لخدمة المصالح الفردية والعائلية، والسطو على ممتلكات الجماعة، كما كان الشأن بالنسبة إلى طبقة الإكليروس الذين كانوا يدعون بأنهم يتوفرون على « تفويض إلهي » من السماء لممارسة الحكم والسلطة على بني البشر في الأرض..

وهناك من يعتقد، من داخل تجربة العدالة والتنمية، بأن العلمانية تؤثر في إسلامية الدولة، كما يعتقد البعض أن من شأن تدقيق العلاقة بين الدين والدولة، إبعاد الدين عن المجال العام وحصره في المجال الخاص..!

والحقيقة أن من شأن ضبط علاقة الدولة بالمجال العام، حصر أدوارها في المجال السياسي الضيق، وتقييد تدخلها في المجال الديني بما يخدم المجال العام فقط، دون تدخل في قناعات الأفراد، وهو ما سيساهم في تحرير طاقات المجتمع لكي يقوم بالعديد من الأدوار التي تعجز الدولة عن القيام بها.

 

شارك المقال