بـضـاعـة الـدولـة

07 مايو 2018 - 13:07

أثارت حملة المقاطعة الشعبية لبعض المنتجات الأساسية من التساؤلات ما لم يسبقها إليه أي شكل من أشكال الاحتجاج.

لكن الأمر أبعد من أن يكون مجرد حرب بين تيارات سياسية أو بين مراكز قوى ونفوذ من داخل «الدولة العميقة». الأمر يندرج في إطار استمرارية تحولات ظهرت منذ انطلاقة الربيع العربي، على الأقل.

ففي سنة 2011، شهدنا خروجا شعبيا غير مسبوق من حيث حجمه ونوعيته في التاريخ الحديث للمغرب. هذا الخروج أسقط بشكل فوري العرض السياسي الذي قدّمه البعض على أنه آت «من الدولة»، متمثلا في حزب الأصالة والمعاصرة.

حينها طرحت المؤسسة الملكية مشروعها الإصلاحي الذي جعل المغرب يقترب من عتبة الملكية البرلمانية. استفتاء يوليوز من تلك السنة أكد، دون أدنى شك، مستوى الثقة الكبيرة بين الشعب والملكية كلما داهمت المغرب لحظات استثنائية.

مباشرة بعد تلك الخطوة الشجاعة، كان هناك من فكّر من داخل عقل الدولة في استرداد شبه فوري باليد اليسرى، لما قدمته اللحظة الإصلاحية الاستثنائية بيمينها. حينها تشكّل ما يعرف بـ«ج8»، أو التكتل الذي ضم ثمانية أحزاب، بغاية إيصال صلاح الدين مزوار إلى منصب رئيس الحكومة الذي جاء به الدستور. ويتذكر الجميع كيف ألقى المغاربة ذلك «العرض» في سلة المهملات، وانتخبوا من اعتبروه الأقرب إليهم وإلى تجسيد تطلعاتهم.

في المحطة الانتخابية الموالية، أي محليات 2015 وتشريعيات 2016، كان هناك من ارتأى إعادة تقديم عرض ما قبل 2011، وبات حزب الأصالة والمعاصرة مدعوا إلى تصدر المشهد السياسي.

ولا داعي مرة أخرى إلى التذكير برفض المغاربة هذا العرض، وتجديدهم انتخاب حزب عبد الإله بنكيران، ليس لأنهم يعتنقون إيديولوجيته أو ثناء منهم على قراراته اللاشعبية، بل لأن ما يقدم على أنه «عرض» من الدولة يناقض تطلعاتهم.

اليوم، وبمناسبة حملة المقاطعة الاقتصادية التي نعيشها، لا يمكن أن نغمض العين عن تلك الرسالة التي مفادها الرفض المبكر لما يحضّر من «عرض» جديد، والذي يسعى إلى تدبير المغرب دون روح سياسية ولا أفق ديمقراطي.

نحن، عموم المواطنين البسطاء، نشك بدورنا في وجود أياد خفية وراء إطلاق مبادرة المقاطعة من داخل مراكز القوى المتصارعة حول مصالحها، لكن العبرة بما حدث بعد طرح هذه المبادرة على المجتمع. فمن المؤكد أن المغاربة الذين تجاوبوا معها ليسوا قطيعا ولا «مداويخ»، حتى يقتادهم أي كان دون وعي وإرادة منهم.

خلاصة الأمر أن القاسم المشترك بين المحطات السياسية الأخيرة وحملة المقاطعة، هو وجود «عرض» يقدمه البعض على أنه بديل الدولة عما يفرزه الاختيار الشعبي والمنطق الديمقراطي. وقود أخنوش ومياه بنصالح وحليب الفرنسيين، سوائل تتفاعل كيميائيا لتفرز ما يوحي بالحلف المهيمن داخل الدولة في تمثل المجتمع المغربي.

ومنطق «السوق» الذي حاول البعض اقتياد المغاربة إليه، باعتبارهم قوة إنتاجية، تعمل وتستهلك وتدفع الضرائب، هو نفسه الذي أخرج عفريت المواطن من القمقم، والذي لم يتردد في ممارسة حقه في إسماع كلمته، وكسر طوق الهيمنة الذي يتربص به.

وإذا كانت المنتجات التي حققت نجاح حملة المقاطعة تكتسي أهميتها القصوى عند الطبقة المتوسطة، الحضرية على الخصوص، فإن هذه الفئة هي التي أسقطت العروض السياسية السابقة، ما يعبر عن تحوّل عميق شهده المجتمع المغربي، ويعجز البعض عن استيعابه.

لا يكمن السر وراء تكرار رفض المجتمع ما يقدم له على أنه «عروض» من الدولة، في رغبته في «التمرد»، كما يعتقد البعض، بل في البضاعة التي ينتظرها المواطن من الدولة العصرية، والتي هي الأمن والدفاع والعدالة وسيادة القانون والسوق الشفاف، وليست «الوصفات» السياسية الجاهزة والماركات المنتفعة من الريع والاحتكار.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.