سؤال الحكامة الأمنية

08/05/2018 - 15:15
سؤال الحكامة الأمنية

كل من رأى صور وفيديوهات الشاب إبراهيم منصور، وهو في حالة إعاقة وشلل، بعد اعتداء أعوان القوات المساعدة في طنجة عليه، إلا ويتساءل: هل لاتزال هذه الممارسات مستمرة في بلادنا؟ وأين الحكامة الأمنية؟ ما ذنب شاب ينحدر من أسرة فقيرة لكي يتعرض لما تعرض له؟ شاب عمره 18 سنة، يدرس في التعليم الثانوي، ويشتغل في محل لبيع الملابس، كل نهاية أسبوع، لمساعدة أسرته وتوفير متطلبات دراسته، لكنه سقط ضحية حملة للسلطات لإفراغ الشارع من الباعة الجائلين. كان واقفا أمام المحل يراقب ما يجري، فتعرض لدفعة قوية من رجل سلطة أسقطته أرضا، فاحتج على طريقة التعامل معه، وهو ما لم يعجب القائد الذي قال لعناصر القوة العمومية: «هزو عليا هاد الكلب». القائد لم يتقبل أن يحتج الشاب على دفعه، كأنه يقول له: «إذا ضربناك على خدك الأيمن، فأدر لنا خدك الأيسر». الشاب لم يقبل أن يكون كالكلب، لأنه لو تصرف كالكلب لصرخ وهرب ولنجا بجلده، لكنه تصرف بآدميته، ورفض أن يُمتهن أو تمس كرامته، واحتج فقط، وهو حق مضمون له بالقانون، فكانت النتيجة أن عناصر القوات المساعدة نفذوا أمر «هزو علي هاد الكلب»، وحملوا الشاب إلى سيارة السلطة، حيث أشبعوه ضربا ورفسا، مع تهديده بانتزاع سرواله، قبل أن يطلقوه، وهو في حالة نفسية صعبة. كان شابا حيويا يمارس الرياضة، لكن اليوم أسرته تقول إنه أصبح معاقا لا يستطيع أن يقوم وحده بحاجياته اليومية من أكل ونظافة ودخول الحمام، وصورته في الفيديوهات التي انتشرت أبلغ من أي تعبير. طبعا السلطة أحالت القائد على الإدارة، وهناك تحقيقات ننتظر نتائجها.

هذه الواقعة تذكرنا بضجة أكثر درامية وقعت سنة 2014 في منطقة سيدي بطاش، في نواحي الرباط، حين أمر القائد السابق، طارق حجار، القوات المساعدة باعتقال شاب في السوق الأسبوعي، وقام بحلق شعره، ما خلف للشاب أزمة نفسية أدت به إلى تعليق حبل في زريبة بيته وشنق نفسه، حينها تم اعتقال القائد ومحاكمته. كما تذكرنا بما قام به قائد في مدينة القنيطرة سنة 2016، حين ضرب سيدة تسمى «مي فتيحة»، كانت تبيع البغرير، فصبت البنزين على جسدها وأشعلت فيه النار، ما أدى إلى وفاتها.

هذه الوقائع تبرز أن بعض رجال السلطة لا يدركون أن المغرب تغير، وأن مثل هذه الممارسات لم تعد مقبولة. صحيح أن المغرب قطع أشواطا في مجال الحكامة الأمنية، ودخل إلى قطاع الأمن شباب لهم شواهد عليا، وتم إدماج حقوق الإنسان في برامج التكوين، لكن العقليات مازالت لم تتغير بعد، حيث يتم استسهال امتهان كرامة المواطن من طرف بعض رجال السلطة. سألت مرة وزيرا سابقا في قطاع العدل عن سبب استمرار مثل هذه الممارسات، فروى لي قصة معبرة. قال إنه مرة توصل بشكاية من شخص حول تعرض شاب من معارفه للضرب في مخفر للشرطة، حيث تم تعليقه بعد توقيفه في ملف جنحي عادي، فحمل الوزير الهاتف واتصل بمسؤول أمني يستفسره، قائلا له: «قوموا بالإجراءات، لكن دون ضرب»، فرد عليه المسؤول: «هل هذا الشخص معتقل في إطار سياسي؟». حينها فهم الوزير أن احترام حقوق الإنسان مرتبطة فقط بما هو سياسي، وقال لي: «إن حقوق الإنسان ارتبطت بالعمل السياسي، واليوم يجب أن نقنع الأجهزة بأن المواطن العادي أيضا يجب أن تُحترم حقوقه».

شارك المقال