المقاطعة سلوك مدني

08 مايو 2018 - 15:25

من منا لم يجذبه “حدث” المقاطعة، والذي أصبح معركة فئات عريضة من الشعب المغربي، ضد منتجات معينة. فكرة أطلقت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ولقيت ترحيبا وانخراطا واسعا، بل اجتهد الكثيرون لمصاحبتها بالعديد من التعبيرات الساخرة، والمسرحيات والسكيتشات، بل حتى الأغاني والصور الكاريكاتورية وغيرها من الإبداعات والتعليقات الجدية والساخرة.

هذه الحملة خلقت نوعا من الهزل الممزوج بالسخرية اللاذعة، وأبانت عن أزمة عميقة في علاقات الثقة بين ما هو اقتصادي واجتماعي، وهذا التصرف يتضمن إشارة سياسية عنيفة، فالمواطنون “المقاطعون” تجاوزوا جميع الوسائط المؤسساتية السياسية والاجتماعية العادية للتعبير عن مواقفهم تجاه منتجات معينة، بعضها له خلفية اقتصادية، ولكنها لا تخلو من بعض الدلالات السياسية.

إن هذه الحملة غير المسبوقة التي أثارت اهتمام الكل، اتسمت بنوع من السلوك الاجتماعي المسالم الهادئ الذي ينم عن تصرف مدني، ذلك التصرف الذي يُدعى في الفكر السياسي بـ”السلوك المدني”، وهو سلوك يمنح الإرادة في التمتع بالحقوق، وفي الوقت نفسه الالتزام بالقيام بالواجبات، ويدخل ضمن هذا السلوك الحق المطلق في التعبير السلمي بالرفض وعدم القبول لسياسة ما اقتصادية كانت أم اجتماعية، لذلك فهو نوع من الحق في الاحتجاج السلمي، والحق في التعبير عن موقف من وضع اقتصادي وسياسي معين.

وينبني السلوك المدني على عدم الإضرار بحرية الآخرين، أو المساس بالمِلك العام، كما هو سلوك ضد الغش والتسلط، عبر احتجاج سلمي ينم عن مواجهة عدم القيام بالواجب من الطرف الآخر، وهو سلوك يجعل المواطن فاعلا وجريئا ونزيها، في التعبير عن مواقفه تجاه الإخلالات الاقتصادية والاجتماعية التي قد يعرفها المجتمع أو الدولة.

إن نظرية “السلوك المدني” التي ابتدأت بشكل واضح مع الفيلسوف “فريديريك هيكل” في كتابه “فلسفة الحق”، والتي يرى الكثيرون أنه استقاها من فلاسفة الأنوار، عرفت ذلك الحضور القوي في المجتمعات المعاصرة عند حصول العالم الاقتصادي البنغالي “أمارتيا سن” على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1998، لأعماله عن المجاعة، وعن نظريته حول تطوير الإنسان والرفاه الاقتصادي، واجتهاداته لمحاربة الفقر والليبرالية السياسية، أي نظرية التنمية البشرية.

أما في المغرب، فقد تمت محاولة تضمين “نظرية السلوك المدني” داخل مقرراتنا الدراسية، لكن بشكل خجول، حيث كانت المحاولة الأولى لتنزيلها عبر مادة التربية الوطنية، ثم الانتقال مع مطلع سنة 1994 إلى مادة التربية على المواطنة، قبل أن نتحول خلال أواخر التسعينيات إلى تطبيق مقاربة التربية على حقوق الإنسان، هذا طبعا دون الحديث عن توجيهات جلالة الملك سنة 2007 إلى المجلس الأعلى للتربية والتكوين، قصد دراسة كيفية تنمية “السلوك المدني” داخل المدرسة المغربية، بهدف التحلي بمظاهر التمدن والخضوع للقواعد التي يرسمها المجتمع والدولة.

لذلك لا يمكن قراءة حركية المقاطعة هاته في معزل عن هذه النظرية، بحيث لم تكن سلوكا خارجا عن مفهوم الاحترام الواجب للدولة أو للنظام السياسي، بل بالعكس، هي تعبير موضوعي عن موقف اقتصادي واجتماعي تجاه منتج معين، وهي حركية قوية لا يمكن تبخيس حقها كسلوك مدني صرف، من خلال تبادل الاتهامات أو التعامل معها بأوصاف قدحية، أو أن نوظفها لإهانة  المواطنين الذين في الحقيقة لا يمارسون إلا حقا دستوريا في الاحتجاج السلمي.

أما إذا كانت مكونات الحكومة تريد تصفية الحسابات فيما بينها من خلال التوظيف الرديء لهذه المقاطعة، أو حتى بعض من تصريحات من ينتمون “لسوء الحظ” إلى حزب تاريخي من أجل الدفاع عن حليفهم في الحكومة، من خلال إهانة هذا الشعب ووصفه وصفا حيوانيا، فإنهم يجهلون أن المقاطعة سلوك مدني متحضر، وأنهم لم يرقوا بعد إلى فهم مستوى هذا الشعب، ومدى قدرته على التعبير المدني السليم.

لذلك أعتقد أنه في ظل هذه المقاطعة، على السياسيين إدراك أنهم باتوا يشتغلون تحت مجهر مراقبة الرأي العام، وأن تجاهل المواطنين البسطاء الرد على التصريحات السلبية لسياسيي وسياسات الريع، يعبر عن مقاطعة ضمنية مفادها أن سلوكهم أخلاقي ومدني، يعفيهم الرد على الذين لا يفهمون أي شيء في الأخلاق والتمدن.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.