سوسيولوجيا " المقاطعة".. تراكمات الفشل!

09 مايو 2018 - 19:06

إن السوسويولوجيا لا تفكر إلا انطلاقا من الاجتماعي، ولا تتقوى إلا على مواضيع تثير الجدل، وتصنع” الدينماميكا” داخل النسق. لقد شبه بيير بورديو الباحثين في السوسيولوجيا بمشاغبين يفسدون على الناس حفلاتهم التنكرية، ويفضحون أشكال تعاطيهم الملفوف برداء المكر والتحايل. لذلك فالبحث في المعنى الذي تكشف عنه ” ظاهرة المقاطعة”؛ مقاطعة بعض المنتجات الاستهلاكية، هو تحطيم لمبدأ الوعي المتواطئ، وتقعيد لقناعة الرفض التي ينبغي استدماجها في وعي الذات انطلاقا من جدلية الربط بين الفاعل السياسي الماكر والمفعول به المحاصر والمنسي.

هكذا تماما تتحدد علاقة الفاعل الاحتجاجي بالجهاز المسؤول عن ضبط التوازنات ـ الأمنية ـ دون مراعاة لتفاعلات الواقع الأخرى، وأساسا فيما يتعلق بمقاسات السخط والتذمر التي تنتجها تراكمات الفشل، المرتبطة بتدبير الجهاز الرسمي لملفات حيوية يكشف عنها اليومي الإنساني.

مقاطعة عدد من المنتجات الاستهلاكية، يُمكِّن من قراءة تفاصيل التفاصيل لسياسة الإخفاق، كما تسمح بتبلور وعي يغذي الفعل ويوجه الفاعل، خاصة على مستوى السياقات المنتجة للمعنى ضمن نسق سياسي محلي بلا معنى. كل هذا يقود نحو تقعيد فكرة الرفض، ويدفع للتشاؤم من آفاق الاختيارات التي تحطمت أمام قوة شعبية لا تؤمن بالانهزامية، وتطمئن إلى أن الحاجة إلى الاحتجاج – بصيغته الجديدة- لم تنهزم في مجتمعنا بعد.

القناعة التي أنتجت هذا الموقف هي الأهم، وهذا ما يعنيني أن أشيد به، ذلك أن البحث عن صيغة للاحتجاج، والإبداع في التعبير عن أشكال الرفض، يترجم يقظة الوعي الشعبي من جهة، وعدم قدرة التنظيمات السياسية، والنقابية، ومعها المؤسسات العمومية الأخرى، على التجاوب ومطالب الجماهير، والتفاعل مع احتياجاتها الأساسية، من جهة ثانية، وهذا جد مهم بالنظر إلى تراكمات من الفشل، أنتجت واقعا معطوبا، ومجتمعا مفككا، يختزل فيه الفرد في نطاق الانتاج الانتخابي، باعتباره رقم يضمن استمرارية ” السيسطيم”، ويعيد إنتاج واقع الحال.

تحرك المقاطعة أسئلة عديدة تقرأ الواقع الاجتماعي، ومعه الاقتصادي، وتبحث في شروطه التاريخية، التي تؤكد سيرورة العزلة في أشكالها المتعددة، بل تشخص حقيقة السياسة الفاشلة في الوطن. شروط عديدة تغرب المواطن في بيئته وتدفع به نحو قبول فكرة الموت، غير أن تشبث فئة من الممانعين بحقهم في الوجود، والتفاعل مع تموجات الممارسة السياسية،يدفع إلى إنعاش الأمل، كما أنه يغذي الشعور بالوجود، انطلاقا من تجربة الرفض، التي تترجم قدرة الفرد على أن يقول ” لا.

وإيمانا منا بوجود علاقة وطيدة بين فكرة الحق وشرط الدفاع عنه، تنفتح ممكنات التساؤل التي يصنعها الواقع في سيرورته المتحولة والمتناقضة، وتبقى تداولات الأزمة كاشفة لعمق العطب والتفكك.أما الاحتجاج فيطمئن بالمقابل على سلامة الاختيار ويقود إلى قراءة صحيحة للواقع الذي تنكر له الجميع.

بوجمعة الكرمون

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.