تكمل حملة المقاطعة الشعبية لثلاثة منتجَات أساسية شهرها الأول اليوم الاثنين. فترة كانت حافلة بالأحداث والتفاعلات، وكشفت الكثير من الحقائق التي كانت في السابق تقع داخل دائرة الشك، من قبيل علاقة النخب السياسية والمدنية بالمجتمع، وقدرة هذا الأخير على الفعل والتأثير من خارج القوالب التقليدية.
أول ما يتطلّب جوابا، في علاقة بهذا الموضوع، هو: لماذا المقاطعة؟ فالبحوث والدراسات التي أجريت في «المختبرات» المختصة تكاد تجمع على أن سلوك المقاطعة الاقتصادية يرتبط أساسا برغبة المستهلكين في خفض الأسعار. فهل انخرط المغاربة في مقاطعة «أفريقيا» و«سيدي علي» و«سنطرال» بسبب الغلاء؟ الجواب بكل تأكيد هو نعم، لكن هذه الكلمة وحدها لا تكفي.
حملة المقاطعة الأولى من هذا النوع والحجم بالمغرب ترتبط بأسباب عميقة متراكمة، يصعب معها فصل الاجتماعي عن الاقتصادي، وهذا الأخير عن السياسي. فإذا كان هناك شبه إجماع على صواب مقاطعة إحدى أكبر شركات توزيع المحروقات في المغرب، بالنظر إلى الجشع الكبير الذي أبدته هذه الأخيرة بعد تحرير سوق المواد الطاقية، فإن فهم أسباب مقاطعة أكبر شركة لتوزيع الحليب، وأخرى تسوق مياها معدنية لا تشكل بأي حال مادة حيوية في المعيش اليومي للمغاربة، يتطلب النبش بشكل أعمق.
لن نتسرع في الحكم على فعالية أسلوب المقاطعة الاقتصادية في الدفع بعجلة الديمقراطية والحقوق والحريات. فجل الدراسات المتوفرة تناولت الموضوع من زاوية فعالية المقاطعة لحمل الشركات على خفض الأسعار، لكن هذا لا يمنع من التقاط بعض الإشارات.
أولاها، تأكيد تخلّف الفاعل السياسي والرسمي مقارنة بدينامية التحول الذي شهده المجتمع المغربي. ففي الوقت الذي اعتقد فيه البعض أن القبضة الأمنية كافية لتعويض ضعف أداء النخب السياسية، والذي أبانت عنه أحداث مثل حراك الريف واحتجاجات جرادة، جاءت المقاطعة لتبيّن قدرة المجتمع على الفعل والتأثير، دون الإخلال بالقوانين أو الانزلاق إلى العنف.
ويكفي الانتباه إلى التحول الذي شهده الموقف الحكومي من حملة المقاطعة، لتسجيل التراجع السريع عن خيار «القوة» الذي جرى التلويح به.
الإشارة الثانية تتمثل في الدور الحاسم الذي بات يلعبه العامل الاقتصادي-الاجتماعي في تحريك الشارع، وإن بمعناه الافتراضي، كما جرى في المقاطعة. سلسلة الأحداث الاجتماعية التي شهدها المغرب في السنوات الأخيرة، وأبرزها حراك الريف، تؤكد استمرار التأثير الدائري للعطب السياسي، والذي يؤدي إلى اختلالات وتفاوتات اجتماعية تتحول بدورها إلى فعل سياسي.
وتكفي الإشارة هنا إلى تنسيقيات مناهضة الغلاء، وما لعبته من دور في الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب تزامنا مع الربيع العربي. والنتيجة الآن أن الرأسمال الانتهازي لم يعد بإمكانه مواصلة الاستفادة من غياب الديمقراطية وضعف المؤسسات لتحقيق الأرباح غير المشروعة.
فالمنظومة المؤسساتية والسلطوية التي كانت تتيح ذلك لم تعد قادرة على حماية حلفائها الاقتصاديين.
ثالث دروس المقاطعة يؤكد ما انتهى إليه الخطاب الملكي الأخير في افتتاح البرلمان. النموذج الاقتصادي المغربي أثبت فشله، والمقاطعة جاءت لتقول إن المجتمع لم يعد مستعدا للقبول بدور المتفرج. التحالفات القائمة بين مراكز السلطة والمال، والخيارات الاقتصادية الكبرى المرتبطة بتوجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتوجه الليبرالي المتوحش، كلها عناصر تجرّدها حملة المقاطعة من إمكانية الاختباء في العتمة.
درس المقاطعة الكبير يقول إن الليبرالية والانفتاح وإنتاج «الأبطال الوطنيين» في الاقتصاد، لا يمكن أن تتم في معزل عن ديمقراطية حقيقية ومؤسسات فعالة، وأخذ بعين الاعتبار إرادة الشعب ومصالح المجتمع.
واهم من يعتقد أن القوس الذي فتحته حملة المقاطعة سيغلقه عرض تجاري أو حملة إشهارية. المغاربة أعلنوا بوضوح أنهم مستعدون للنزول من قطار الإصلاح المعطل، لكن بهدف دفعه إلى الأمام حتى ينطلق، أو مواصلة السير مشيا إن اقتضى الحال ذلك.