حلـــــــــم الهجـــــــــرة

22 مايو 2018 - 13:21

كانوا شبانا مغاربة مكدسين في قارب تقليدي في عرض البحر، اختاروا توثيق اللحظة بكاميرات هواتفهم غير خائفين من الغرق وهم يقتربون من اليابسة على الضفة الأخرى، فرحين بقرب تحقيق حلمهم.

صورتهم تلخص واقع الشباب المغربي الضائع الذي يؤدي ثمن أعطاب المنظومة التعليمية والنموذج التنموي. تحدثوا بوجوه مكشوفة عن انحدارهم من حي سباتة في الدار البيضاء. كل واحد منهم اختار توجيه رسالة إلى والدته فقط.. كل بطريقته الخاصة: «الواليدة الله يعطيك شي حجة.. ما تقوليش ولدك دمدومة… الوالدين فقط.. سامحينا الواليدة.. لو كان المغرب زوين كون بقينا قربك يا الوليدة.. يريدون قتلنا ببطء.. نحن أولاد سباتة».

مع اقترابهم إلى اليابسة كانوا فرحين وهم يرددون: «لقد وصلنا إلى الجزيرة»، ثم قطع التصوير. هذه الصورة الدرامية لشبان مغاربة في العشرينات من العمر، يرمون بأنفسهم وسط البحر بحثا عن حلم مفقود، تجعلنا نتساءل عن مصداقية السياسات العمومية الموجهة للشباب؟

11.7 مليون شاب، تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، يوجدون في حالة تهميش، و270 ألفا منهم يغادرون المدرسة سنويا، ونسبة البطالة في صفوفهم تفوق المعدل الوطني لتصل إلى 20 في المائة، و82 في المائة لا يمارسون أي نشاط ترفيهي، و75 في المائة بلا تغطية صحية، و20 في المائة مهددون باضطرابات نفسية وصحية، و1 في المائة فقط منهم منخرطون في الأحزاب.

هذه خلاصة دراسة رسمية لوزارة الشباب والرياضة، أما المندوبية السامية للتخطيط، فتقول إن أعلى معدلات البطالة في المغرب مسجلة في صفوف الشباب ما بين 15 و25 سنة، بنسبة 26.5 في المائة، وفي صفوف حاملي الشهادات بنسبة 17.9 في المائة.

هذا هو وضع الشباب الذي يدفعه اليأس إلى الارتماء في البحر. آخر الإحصائيات القادمة من الاتحاد الأوروبي تفيد بأنه منذ بداية سنة 2018، وإلى حدود 29 أبريل الماضي، وصل إلى إسبانيا بحرا وبرا (عبر سبتة ومليلية) 6623 مهاجرا، وارتفع ضمنهم عدد المهاجرين المغاربة ليحتلوا المرتبة الأولى بمعدل 17 في المائة.

الأدهى أن حلم الهجرة لا يراود فقط اليائسين من إيجاد فرص الشغل، بل يراود حتى الأطر والكفاءات، ويمكن الاطلاع على نتائج آخر استطلاع لموقع متخصص في التوظيفات في الخارج jobboard Rekrute.com، والذي أظهر أن تسعة من عشرة من الكفاءات المغربية قالوا إنهم لن يترددوا لحظة واحدة في العمل في الخارج (في كندا، فرنسا، ألمانيا…) إذا أتيحت لهم الفرصة، لأنهم يريدون مستوى عيش أفضل، ويبحثون عن تطور مهني مهم، وينتقدون ظروف عملهم الحالية.

44 في المائة عبروا عن رغبتهم في الهجرة مدى الحياة. أما المغاربة الذين قضوا سنوات في الخارج ويفكرون في العودة، وهم أكثرية (74 في المائة)، فإنهم يقولون إنهم يخشون عدم وجود ظروف عمل مشابهة في المغرب، كما يتخوفون من المنظومات القديمة ومن الضغط الاجتماعي، خاصة أنهم اعتادوا مستوى عيش حر وجيد، وبالتالي، سيكون صعبا عليهم التخلي عن هذه المكتسبات.

قد يقول البعض إن ظاهرة الهجرة عالمية وتعرفها عدة بلدان، لكن الواقع عندنا مختلف، فالبلد يزخر بالإمكانيات، لكن الفساد المعشش والسياسات الارتجالية لا تزيد أعداد الشباب، الذين يرمون بأنفسهم في البحر مغامرين بأنفسهم، إلا ارتفاعا، وأبرز مثال هو صورة أبناء سباتة في قارب الموت الذين لا أحد يعرف مصيرهم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي