«بيــــرمي التراكتـــور»

27 مايو 2018 - 14:20

لا أعرف ما إذا كان مؤسسو حزب الأصالة والمعاصرة، وهم يختارون الجرار رمزا لحزبهم، قد انتبهوا إلى أن «التراكتور» هو المركبة الوحيدة التي يمكن قيادتها دون «بيرمي». هكذا، ومن مكر الصدف وسخرية الأقدار، فإن عددا من قياديي الحزب كان يمكن أن يكونوا في أي مكان آخر، بما في ذلك السجن، سوى أن يصبحوا أعضاءً بالمكتب السياسي لحزب أنفقت عليه الدولة الكثير من مالها وسمعتها، وبدلا من أن يكبر ويصبح حزبا ضخما، أضحى حزبا متضخما بـ102 برلماني وصفر تأثير في المشهد السياسي. حتى الأسماء التي أسست الحزب، إلى جانب فؤاد عالي الهمة، مثل حسن بنعدي وعلي بلحاج، خرجت قبل أيام تكتب مقالات وتدوينات تشتكي فيها من أنها، وبعدما ضحت بتاريخها وأحزابها السابقة من أجل مشروع البام، وجدت نفسها غريبة عن الحزب مهمشة عن مركز قراره من طرف أمين عام بقامة قصيرة ولسان طويل وخيال واسع وجبهة عريضة ومسار غامض.

الحزب، وهو مقدم، اليوم، على مرحلة جديدة، تبدأ من تغيير قيادته، عليه أن ينتبه، إلى أن رمزه (التراكتور) ليس وحده الذي أصبح دالا على واقعه المأزوم، بل أيضا اسمه (الأصالة والمعاصرة) وكذا شعاره (تمغربيت) اللذان يلزمه إعادة قراءتهما نقديا، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لخلخلة بنية الحزب العميقة، وتصحيح مساره الذي خرج من الخيمة مائلا. كيف ذلك؟ لقد حاول الحزب، بشكل غير مسبوق في التاريخ السياسي المغربي، أن يجمع بنيتين على طرفي نقيض، «بنية فوقية» ذهنية، مشكلة من يساريين تقدميين علمانيين، وبنية تحتية، مموِّلة وممثَّلة من طرف أعيان محافظين. ووعيا منه بذلك، اختار الحزب اسما مكونا، أيضا، من مفهومين على طرفي نقيض، هما: «الأصالة» و«المعاصرة». وقد كان واضحا اصطدام البنيتين في أكثر من محطة وموقف، أبرزها دفاع عدد من يساريي الحزب، أبرزهم خديجة الرويسي، عن المثليين جنسيا وحرية الإفطار العلني في رمضان، وهو ما واجهه محمد الشيخ بيد لله في مناسبات عدة، أبرزها مقاله المكتوب بنفس سلفي، في 2009 بجريدة «المساء»، ضد الحريات الفردية. إن هاتين البنيتين لم تعرفا تساكنا إلا بعدما صُهر يساريو الحزب في بوتقة المصالح والمناصب والامتيازات.. حيث لم يتبق من معاصرتهم (الحداثة) سوى محاربة حزب العدالة والتنمية، وليس الإسلاميين ككل، كما سبق للهمة أن قال عندما كان ينتمي إلى الحزب. وقد سبق لي أن سألت مصطفى الباكوري، عندما وجه دعوة إلى الشيخ الفيزازي وزوجته المنقبة إلى حضور حلقة «ضيف الأولى» التي كنت مشاركا فيها: هل تجد أن الفيزازي وزوجته أكثر اعتدالا من بنكيران وإخوانه؟ لذلك، فإن الحزب سيبقى، بتعبير حسن بنعدي، منبوذا من طرف المغاربة، إذا لم يستطع حسم مأزق «الأصالة» و«المعاصرة»، لأنه لا يمكنك أن تواجه أصولية المجتمع وتصمت عن أصولية الدولة، كما أن تبني الحداثة والمعاصرة يقتضي الدفاع عن دولة المؤسسات والديمقراطية وحقوق الإنسان، قبل، أو، على الأقل، بالموازاة مع الدفاع عن الحريات الفردية والجماعية.

أما شعار «تمغربيت»، فمن المؤكد أنه انتهى مع مسيرة ولد زروال، عندما فشل من رفعوه في إقناع المغاربة بأن البيجيدي لا ولاء له للمغرب، وأن ولاءه للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وبعدما تأكد أن تميز الأحزاب في المغرب -بيسارييها وإسلامييها- نابع من قدرتها على مغربة إيديولوجياتها. لذلك، على من سيقود البام مستقبلا أن يبحث عن أسلوب جديد لمماحكة الإسلاميين، دون أن يرهن وجوده بمحاربتهم، فالمغرب محتاج إلى فعل حداثي مواز للإسلاميين، وليس إلى رد فعل ضدهم، وهذا أمر أصبح يعيه قياديون من أمثال عبد اللطيف وهبي وحسن بنعدي.

من سيقود البام، في المرحلة المقبلة، سيقود جرارا نقص بنزينه وغرقت عجلاته في وحل قديم، ويحتاج إلى من ينزل منه ليدفعه إلى الأمام لا إلى من يركبه وينتظر أن يتقدم به. لذلك، فالقائد المقبل يجب أن يكون سائقا متمرسا و«يا ترى».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

#عزيز# منذ 3 سنوات

الحزب سيبقى منبوذا من طرف المغاربة، إذا لم يستطع حسم مأزق «الأصالة» و«المعاصرة»، لأنه لا يمكنك أن تواجه أصولية المجتمع وتصمت عن أصولية الدولة، كما أن تبني الحداثة يقتضي الدفاع عن دولة المؤسسات والديمقراطية وحقوق الإنسان، بالموازاة مع الدفاع عن الحريات الفردية والجماعية.

Kamal منذ 3 سنوات

جمع راسك أخوي سليمان ... الفيديوهات الجنسية ديالك خدامة كتفبرك فشي كوميسارية

التالي