فجر بامي

29 مايو 2018 - 16:33

«رصيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الاقتراع فحسب، ولكن في وعي الناس»

جون جاك روسو

كانت القاعة الفسيحة بسلا مكتظة بأعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، تشعر وأنت جالس بينهم أن هناك نوعا من الاحتقان، عكسته التدخلات التي كانت تتسم بالغليان وحالة الانفعال القصوى، فأغلب أعضاء الحزب لا يريدون أن تنفلت من بين أناملهم تلك اللحظة السياسية والديمقراطية،  كلهم متمسكون بالصناديق وبالاقتراع السري، ويرفضون ديمقراطية التصفيق.

أما رئيسة المجلس الوطني، فكانت مجبرة على تحمل ذلك الجو المشحون، ولكن أدارت النقاش بذكاء ودهاء وصبر، ورغم ذلك تشعر أن الجميع كان مسؤولا، يريد الديمقراطية الداخلية، ويرفض أن يأتي القرار من خارج قواعد الحزب، لا يريد عداء مع أحد، ينادي البعض بفتح الحوار واحترام الجميع، والبعض الآخر بالديمقراطية، مع قبول الآخر ودون المساس بالاحترام المتبادل تجاه القوى والأحزاب السياسية الأخرى.

كانت تلك الحدة في التدخلات توحي بولادة فكر احتجاجي، وشعور جديد بالذات السياسية لدى أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، الذين رفعوا حناجرهم عاليا مطالبين بالديمقراطية الداخلية، وبالحسم عبر صناديق الاقتراع،  وكأنهم يريدون إلغاء مرحلة سابقة أو حتى القطيعة معها، حين كانت الأيادي التي ترفع بالتصفيق هي من تكون في خدمة من يقرر، إلا أن الأيادي التي صفقت لقيصر هي نفسها التي رمته بالحجارة، لذلك لا يغتر أحد بالتصفيق.

في هذه الليلة شعرنا بأن البام تغير كثيرا، ويعيش انعراجا كبيرا، وفورة داخلية تريد التغيير، تغيير كل شيء، من النظام الداخلي للحزب وهياكل مؤسساته، إلى تجديد مواقفه، مرورا بالأشخاص والعقليات، يريدون أن يشعروا بأن المشروع مشروع الجميع، فانفعل البعض بشدة، وانتقد البعض الآخر بقوة، لكن ظل النقاش في إطار المسؤولية وعدم التطاول على الآخرين، كانت رسالة المناضلين والمناضلات واضحة، القطيعة مع الماضي والتوجه بشكل جماعي نحو بناء المستقبل.

وحين جاءت لحظة إعلان الترشيحات لمنصب الأمانة العامة، فتح الباب أمام جميع أعضاء المجلس الوطني، غير أن ثقل وهول المسؤولية الملقاة على عاتق القيادة الجديدة للبام، في هذه المحطة المفصلية من تاريخ الحزب وتاريخ بلادنا، تردد الكثيرون ثم تراجعوا، أما الشباب فكان له رأي آخر، يضغط بقوة، يريد أن يحتل الصدارة، كان طموحه مشروعا رغم أنه في حاجة إلى المزيد من تراكم التجربة، فترشح من أراد بكل حرية، وكانت الكلمة الفصل للصناديق.

كان الوقت يزاحمنا، ونحن نتجاوز منتصف الليل، وحماس الجميع يضغط للتصويت بسرعة، وبالرغم من التعب الذي أنهك أعضاء المجلس الوطني القادمين من مختلف ربوع المغرب، عاد حماس القاعة لحظة انطلاق عملية فرز الأوراق وإحصاء الأصوات، بشكل علني شفاف، كان الكل خائفا على لحظة الديمقراطية هته، لكن بعد ما بدأت تظهر ملامح النتائج الأولية، عاد الارتياح الممزوج بروح المسؤولية والقبول بالنتائج، ليعم نوع من الهدوء تكسره بعض الأصوات الداعية إلى المزيد من التغيير، تغيير المكتب السياسي في أقرب الآجال ومعه باقي هياكل الحزب، مأسسة القيادة الجماعية للحزب، فلن يتم القبول بعد اليوم منح الأمين العام  فرصة التصرف بشكل فردي، سنراقبه، سننتقده بقوة، ردد الكثيرون، معالم ثقافة جديدة، وكأن الحداثة بدأت تفكك مفاصله، فالجهات تريد موقعا متكافئا بالحزب، والشباب يريد مكانة أفضل، والمرأة تريد مكانة أقوى رغم أنها تترأس المجلس الوطني، أما شيوخ الحزب فقد انزووا أمام هذا الهيجان الفكري والسياسي والبشري يطرحون السؤال التالي: كيف يمكن تأطير كل هذا الحماس وهذه الطاقة؟

ومع مطلع الفجر، شعر الجميع أن حزب البام عاد من بعيد وولد من جديد، وأصبحت مسؤولية قيادته أكبر وأخطر، تتطلب إدارة جماعية وديمقراطية داخلية، ومن فشل سيفشل مرحلته فقط، أما الحزب فلا يمكن مطلقا بعد اليوم، أن يعود إلى الوراء.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kamal منذ 3 سنوات

اللي ما يعرفش ... ما يقول غير شي حزب ديال بالصح هذا

شي مدوخ منذ 3 سنوات

نتمنى أن يكون فجرا آخر غير ذاك الذي كانت "الدولة العميقة" عازمة على إطلاعه سنة 2012 ،لولا كسوف عشرين فبراير

السباعي الحسن منذ 3 سنوات

لمن كاتعاود

محمد منذ 3 سنوات

أفَضِّلُ كعنوان "فجر بومي" لما يمثل صوت البومة من نذير شُؤم في المعتقدات الشعبية، لقد ظننت مع الأيام مع قرائة بعض مقالاته أن سي وهبي يريد ممارسة سياسية معقولة نوعا ما مبنية على النقد البناء والتنافس في الأفكار، ولكن هذا المقال يفند بما لا يدع مجالا للشك هذا الاعتقاد، كمن يلتقط أمام عينيك بقايا أكل من القمامة ثم يشرع في مدح ما التقط لإقناعك بتناوله٠

مواطن* منذ 3 سنوات

جميل إنشاءك اﻹحتفالي هذا آسي وهبي. لكنه يفتقد لمصداقية التحليل أو الموقف التي كانت تتحلى بها بعض مقالاتك السابقة.

الداودي منذ 3 سنوات

ما شاء الله، معجزة ، في أقل من ليلة تحول الجمع من أباطرة الريع والنهب إلى حمائم ترفرف حول عش الديمقرطية. واش كاتدوي بالمعقول آسي وهبي، إيوا راه غير كان فيهم النعاس، الله يجيبك على خير

ع الجوهري منذ 3 سنوات

تمنيت لو حضرت الأنتربول و شرطة مكافحة المخدرات لتخلصوا من مشكل تهريب المخذرات لاوروبا

التالي