كتبها: مصطفى الفن
أختلف مع بعض الأصدقاء والزملاء الذين يعتبرون النقيب محمد زيان مجرد محام مهرج ولا خبرة له بالقانون ولا بخبايا المحاكم ولا بسير المحاكمات. بل هناك من ذهب بعيدا وزعم أن زيان ليس إلا كائنا متطفلا على مهنة المحاماة وأنه لا يعدو أن يكون مغرق الشقف لأي متهم ترافع لفائدته.
ولأن مثل هذه الأوهام تحولت إلى حقائق في نظر البعض، فقد دعا كثيرون الصحافي توفيق بوعشرين إلى التخلص من زيان إذا ما أراد أن تعرف قضيته بعض الانفراج. المثير أكثر، ويا للمفارقة، هو أن هؤلاء المطالبين بالتخلص من زيان هم أصلا ضد أي انفراج في ملف بوعشرين. بل إنهم من كبار المغرقين ويتمنون من كل قلوبهم أن تنزل ببوعشرين أقسى العقوبات فقط لأن مؤسس « أخبار اليوم » هو آخر ما تبقى من جيل الصحافيين المستقلين بالمغرب.
واقرؤوا بعض الكتابات وكيف تحول بعض المحسوبين على فكر الأنوار والحداثة إلى وعاظ وغيورين على الدين، وإلى مدافعين شرسين عن الشريعة الإسلامية وعن الأخلاق الحميدة، وعن العفة وعن الجنس الحلال وعن مؤسسة الزواج.
وهكذا قرأنا كيف أن بعض المتنورين اعتبروا مجرد « لحسة » صغيرة بين رجل وامرأة غير متزوجين هي بمثابة معصية كبيرة يهتز لها عرش الرحمان لأن هذه « اللحسة »، في نظرهم، وقعت خارج بيت الزوجية.
ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن المتضرر من هذه الكتابات ليس هو بوعشرين وأسرته والضحايا المفترضات فقط. بل المتضرر هو المغرب الذي بدا، والحالة هذه، في صورة بلد ظلامي معاد للمرأة ومعاد للحريات الفردية ومعاد لقيم التحرر والاختلاف ومعاد لأي رأي معارض. أكثر من هذا، لقد بدا المغرب، مع محاكمة بوعشرين، مثل أي دولة مغرقة في المحافظة والانغلاق ولا يختلف كثيرا عن بعض الدول الإسلامية المتشددة التي تجرم أي علاقة بين رجل وامرأة لا يجمعهما « عقد نكاح ».
والحقيقة أن زيان محام يتقن حرفته جيدا. وربما لهذا السبب هاجمته أصوات بعينها وطالبت بالتشطيب عليه من مهنة أفنى فيها أكثر من نصف قرن من حياته. وبلا شك، فقد وضع زيان المحكمة والنيابة العامة وأجنحة عميقة داخل الدولة في حرج حقيقي في أكثر من مناسبة.
نعم قد نختلف مع زيان وقد نقول إنه لم ينجح في تأسيس حزب قوي، لكن زيان هو بالتأكيد ابن شرعي لمهنة المحاماة ولم يقطر به السقف مثلما قطر بغيره. وما أكثر الذين قطر بهم السقف مباشرة بعد اندلاع ملف بوعشرين. وقد رأينا بعضهم بأم أعيننا وهم يدافعون عن « السحر » مكرهين غير أبطال.
ويقينا لو لم يكن زيان بمقومات المحامي العارف بأسرار مهنته، ما كانت الدولة نفسها لتستعين به في أكثر الملفات حساسية وإثارة. حصل هذا ليس في عهد الراحل الحسن الثاني فقط، بل حصل هذا أيضا حتى في العهد الجديد مع مجيء الملك محمد السادس إلى سدة الحكم.
بقي فقط أن أقول إن أخطر رسالة استيقنتها القلوب في محاكمة بوعشرين، هي أنها قدمت الصحافيين المغاربة كما لو أنهم مجرد شواذ ومرضى نفسيا ولا يرقون حتى إلى مستوى البشر، فيما بدت زميلاتنا الصحافيات مجرد عاهرات ومستعدات لبيع أجسادهن والصبر على الاستعباد والاغتصاب حتى لا يمتن من الجوع والهشاشة.6