بايزيد بوريكات

03 يونيو 2018 - 12:47

بوفاة بايزيد-جاك بوريكات، صباح الأربعاء الماضي، فقد المغرب أحد أكبر الشهود الصامتين على نشأة المخزن الاقتصادي، وزواج المال بالسلطة، وما نجم عن ذلك من فساد، وما رشح منه من عذابات ومآسٍ. عكس شقيقيه، مدحت- روني، وعلي-أوغست، رفض بايزيد الحديث إلى الصحافة أو كتابة تجربته داخل قصور المملكة أو في سجونها. غادرنا وهو يحمل الكثير من أسرار رجل أعمال شارك، وهو شاب يافع، كبار رجالات الحسن الثاني في مشاريعه، وانتهى أمامهم فقيرا مريضا، بعد 18 سنة سلخها في واحد من أسوأ سجون التاريخ: تازمامارت.

عندما رافقت شقيقه مدحت في شتنبر 2013، إلى بيتهما الصغير بضواحي باريس، استقبلني بايزيد بابتسامة حزينة وصمت عميق وصحن دجاج بالبطاطس على الطريقة المغربية. شرعت في حواري مع مدحت فانسحب دون إشعار إلى غرفته، ولم يعد يصلنا منه غير صوته الخافت وهو يقرأ القرآن من مصحف أذكر أنه لون غلافه كان أحمر.

في بداية الستينيات، كان أحمد رضا اكديرة يبسط يده على كثير من المسؤوليات في الدولة، فكان يشغل في الوقت نفسه مناصب مدير ديوان الحسن الثاني ووزير الداخلية ووزير الفلاحة. وفي 1963، سوف ينضم بايزيد إلى حزب اكديرة «الأحرار المستقلون» الذي سيكون نواة جبهة «الفديك» التي سخرت المال العام والخاص لمواجهة الأحزاب الديمقراطية، فكان بايزيد أحد ممولي حزب اكديرة وجبهته. «في هذه المرحلة، كانت تربط بايزيد علاقة صداقة حميمة بمولاي أحمد العلوي، وزير الإعلام، الذي سيصبح لاحقا وزيرا للتجارة. وقد كان بايزيد هو من اقترح على مولاي أحمد العلوي أن يضغط على الحسن الثاني، بحكم قربه منه، حتى يعينه وزيرا للتجارة، ووعده بايزيد بأن يساعده، من جهته، من خلال معارفه المقربين من الملك في الوصول إلى هذا المنصب. وكان مولاي أحمد يقول لبايزيد: أنا لا أفقه في التجارة، فكان شقيقي يجيبه: اترك هذا الأمر لي أنا. وبالفعل، فقد بدأ مولاي أحمد العلوي «كيحك» على الحسن الثاني إلى أن عينه وزيرا للتجارة في 1967.. في هذه المرحلة، اتفق بايزيد مع «Michelin» لصناعة الإطارات المطاطية على إنشاء مصنع في المغرب.. بدأنا في إعداد الملف الذي سلمه بايزيد إلى مولاي أحمد العلوي، فحمله الوزير إلى الملك ليقرر فيه، وكان أن سلم الملك الملف إلى اكديرة، فاتصل هذا الأخير بشركة «ميشلان»، والتقى مسؤوليها في باريس، وطلب منهم منحه نسبة مالية مقابل السماح لهم بفتح فرع لهم في المغرب، فرفضوا ذلك»، يحكي مدحت بوريكات الذي فقد 20 سنتمترا من طوله تحت سقوف تازمامارت المنخفضة.

ومن مولاي أحمد العلوي إلى مولاي حفيظ العلوي، سيبقى الفساد هو العنوان الأكبر لعلاقة الإخوة بوريكات بمحيط قصر الحسن الثاني. ففي هذه المرحلة، كان بايزيد بصدد إنشاء معمل لصنع زيوت السيارات ومواد تشحيم المحركات. جهز لذلك مخزنا كبيرا في ميناء القنيطرة، ولكي يحصل على الترخيص، اتصل بمولاي حفيظ العلوي، واقترح عليه أن يكون رئيسا شرفيا للمشروع، ثم اتفق معه على مبلغ يتسلمه منه شهريا.

شِرك آخر من شراك زواج المال بالسلطة، سيجد كبير الإخوة بوريكات نفسه متورطا فيه، في هذه المرحلة –أواسط الستينيات- التي ظهر واستقوى فيها المخزن الاقتصادي. كان بايزيد قد اتصل بالإنجليز لإنشاء شركة لتركيب سيارات «Ministyle»، وقام بكل ما يلزم القيام به، وأخبره مولاي أحمد العلوي بأنه سيقدم ملفه إلى الملك، لكنه اشترط عليه أن يدخل معه حسن اليعقوبي، زوج الأميرة للا عائشة، شريكا.

مات اكديرة ومات العلويان، مولاي أحمد ومولاي حفيظ.. وها قد لحقهم بايزيد بوريكات.. لكن المخزن الاقتصادي مازال صلبا قويا، يبارك مصاهرات المال والسلطة، فيما المغاربة يتفرجون ويحوقلون.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.