مصطفى أكوتي: أستاذ باحث مبرز في الاقتصاد
كيف تقرأ وصول رئيس حزب سياسي سابق إلى رئاسة «الباطرونا»؟
يثير هذا الأمر إشكالية العلاقة بين السلطة والسياسة. نعم، لقد حاول السيد مزوار أن يؤكد أن انتخابه لا ينطوي على أي خلط بين السياسة وقطاع الأعمال، والحقيقة غير ذلك لاعتبارات عديدة منها :
- أن السيد مزوار ليس سوى أجير وليس رجل أعمال، وكان الأجدر به أن ينتمي إلى مؤسسة تعنى بمديري المقاولات. وهو أمر في غاية الأهمية، لأن ذلك ينطوي على مشكلات عديدة مرتبطة بالوكالة، حيث اعتبر بيرل ومينس أن من الأسباب المركزية للكساد الكبير الذي هز الاقتصادات الغربية سنة 1929 تخلي أصحاب رؤوس الأموال عن صلاحياتهم لصالح مديري الشركات. وقد حدث ذلك لاعتبارات معرفية. أما انتخاب السيد مزوار فيشكل صورة متطرفة لهذا الاختلال، لأنه يحتل موقعا يؤهله للحديث باسم الباطرونا ككل، وهو لا ينتمي إليها.
- أن السيد مزوار فاعل سياسي سبق له أن كان رئيسا لحزب سياسي، وظل يحتل موقعا مهما في الحزب ذاته إلى حدود انتخابه على رأس الباطرونا. وما يزيد من تضخم البعد السياسي للعملية الانتخابية هو أن وضع السيد أخنوش على رأس ذلك الحزب كان الهدف منه الإقحام المباشر لرجال الأعمال في حمأة السياسة. ويبدو أن هذا السيناريو قد فشل، كما تدل على ذلك المقاطعة التي يبدو أنها وضعت نقطة نهاية للمسار السياسي للسيد أخنوش. وفي هذا السياق، يبدو انتخاب مزوار ليمثل الباطرونا أنه السيناريو نفسه مقلوبا، لكن مضمونه وفحواه يبقى هو نفسه، أي توظيف رجال الأعمال للتحكم في المعادلة السياسية. من هذه الناحية، يشكل هذا الحدث ترتيبا أوليا لما بعد التعويل على أخنوش. أي أنه نهاية لمعركة عض الأصابع بين أطراف داخل السلطة.
- يشي انتخاب السيد مزوار، مع وجود ما يخدش أهليته لذلك، بغياب البدائل لدى الجهات التي تقف وراءه. وفي ذلك إشارة إلى أن التداخل بين السلطة والمال يكون دائما على حساب الكفاءة والنجاعة، لأن التدبير من خلال العلاقات البين-شخصية، بدل القواعد القانونية والتقنية الواضحة، يقود دائما إلى الفقر المعرفي، وإلى تقديم الولاء على حساب الكفاءة. الهدف المركزي هو احتواء هذه الفئة، والحؤول دون بلورتها مشروعا مستقلا عن السلطة، أي محاصرة الأصوات التي قد تنادي بمزيد من المساواة في تعاطي الدولة مع القطاعات الإنتاجية ومع كل الفاعلين الاقتصاديين. هناك تخوف من أن تتمرد هذه الفئة، لأن من شأن ذلك إعطاء قوة دافعة للقوى الاجتماعية المطالبة بمزيد من دمقرطة الحياة السياسية بالبلاد.
ما الذي يدفع رجال الأعمال إلى اختيار شخصية حزبية مثل مزوار؟
نعم، لقد انتُخب السيد مزوار رئيسا للباطرونا، لكن، إلى أي حد يمكن اعتبار تلك العملية الانتخابية انعكاسا حقيقيا لإرادة رجال الأعمال؟ هل كان الاختيار حرا ومبنيا على اعتبارات مرتبطة بالدفاع عن مصالح رجال الأعمال، أم إنه فرض بغية تسخير قطاع الأعمال لخدمة أجندة سياسية ضيقة. ذلك أن الأرقام المتعلقة بالانتخاب تحتاج إلى تحليل، وإلى إجابات عن مجموعة من الأسئلة من بينها: هل تمثل الكتلة الناخبة رجال الأعمال، في حين أن عدد المصوتين أقل من عدد المقاولات التي أعلنت إفلاسها في سنة واحدة؟ وكيف تشكلت هذه الكتلة؟ وإلى أي حد يعول رجال الأعمال على هذه النقابة لكي تدافع عن مصالحهم؟ كل هذه الأسئلة تدفع إلى الاعتقاد بأن العملية الانتخابية التي تمت لا تعكس المزاج الحقيقي لرجال الأعمال، وذلك، لأن ما يهمهم هو ضمان الشروط السليمة لتنمية مشاريعهم، والرفع من مردودية استثماراتهم وضمان حقوقهم. ولا يتحقق هذا الأمر سوى بالفصل بين مجالي السياسة والاقتصاد. فالمجال السياسي يجب أن يحتكم إلى مبدأ خاص به مفاده وضع الإطار الملائم لاحترام الحقوق الفردية والجماعية، والتوصل إلى معادلة سليمة لتحديد الصالح العام. أما الاقتصاد، فيحتكم إلى مبدأ النجاعة في خلق القيمة من خلال المنافسة التي تشكل في الوقت نفسه آلية تحفيزية وآلية تأديبية، لذلك، فإن كل تداخل بين السلطة والمال يقود حتما إلى إرباك السياسة والاقتصاد معا، فتضيع الحقوق. وأول من تضيع حقوقهم هم رجال الأعمال. لذلك يمكن القول إن وصول السيد مزوار إلى المنصب الحالي لا يعبر بأي حال عن المزاج السائد بين رجال الأعمال.
ألن يجعل هذا الوضع من «الباطرونا» أداة سياسية؟
رجال الأعمال لن يتحولوا إلى أداة سياسية، وما يمكن توظيفه سياسيا هي النقابة التي تمثلهم. أما رجال الأعمال كأشخاص وكفئة فلهم من الوعي والحصافة ما يجعلهم يدركون أنهم هم أول من يتضرر من التداخل بين السلطة والسياسة. فالفئة التي تستفيد من قربها من مركز السلطة وتحوله إلى ريع هي دائما فئة قليلة. بيد أن هذا التداخل بين السلطة والمال يخلق حالة من عدم الثقة لدى الفئة العريضة من رجال الأعمال، ما يؤثر على الاستثمار وعلى المشاريع. لذلك، يمكن القول إن من بين الأهداف الرئيسة لفرض بعض الأسماء وبعض الأشخاص على رأس الباطرونا، الحؤول دون أن تبلور هذه الفئة وعيا خاصا بها. تزييف ذلك الوعي شرط ضروري حتى تتحول إلى أداة سياسية طيعة توظف في معارك لا تعنيها. وإذا ما استحضرنا التحولات التي عرفها ويعرفها المغرب، والمتمثلة في الدينامية التي خلقتها الحركات الاجتماعية التي يقودها الشباب، يمكن أن نستحضر التخوف الذي تشعر به الجهات المتنفذة من أن ينشأ وعي مساند لتلك الحركات وسط رجال الأعمال والطبقة الميسورة. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الليبرالية، باعتبارها مذهبا سياسيا واقتصاديا مرتكزا على الحرية، تبلورت تاريخيا من خلال المجهود الذي قامت به البرجوازية الصاعدة لتحقيق الوعي بذاتها. لكن الدولة الريعية التي تقوم على الولاء، ولا شيء آخر، ستوظف كل ما بوسعها للحؤول دون تبلور ذلك الوعي. لذلك، تؤدي مثل هذه الإجراءات إلى إبراز التناقض بين الدولة الريعية والطبقة الميسورة التي لن تقبل أن تكون قوة عمياء في معارك لا تعنيها بتاتا..