درس الاحتجاج الأردني

05/06/2018 - 18:04
درس الاحتجاج الأردني

منذ خمسة أيام، تعيش المملكة الأردنية الهاشمية حالة طوارئ، مع خروج مظاهرات في كبريات المدن احتجاجا على إجراءات حكومية تمس بمعيشة السكان. وفي العاصمة عمان، تحول الأمر إلى اعتصام حاشد في منطقة «الدوار الرابع»، بشكل أعاد إلى الأذهان احتجاجات الربيع العربي في تونس ومصر. ملك الأردن، عبد الله الثاني، أرسل ابنه، الأمير الحسين بن عبد الله، فجر أمس الاثنين، لزيارة موقع الاعتصام الكبير للمحتجين في العاصمة، لينقل رسالة إلى قوات الأمن التي تراقب الاحتجاج، وأيضا إلى المتظاهرين، خاصة بعد حصول بعض المناوشات. وقف وسط رجال الأمن، وقال لهم: «سيّدنا يسلم عليكم كثيرا.. وأهم شيء نحمي المواطنين، ونخليهم يعبروا عن رأيهم»، مضيفا: «إحنا وإياهم، كلنا وراء سيدنا، بدنا نحمي هذا البلد، ويعطيكم ألف عافية، وسيدنا بيسلم عليكم كثير كثير كثير..». تصريحاته نقلتها الكاميرات بالهاتف، قبيل طلوع الفجر، فيما كان رجال الأمن يهتفون باسم الملك. ماذا يعني أن يرسل الملك ابنه لتبليغ رسالة للمواطنين المتظاهرين ولقوات الأمن؟ يعني أن الأمور وصلت إلى مستوى صعب، وأن الملك لا يريد أن تلجأ قوات الأمن إلى العنف وتأزيم الوضع، بل يعلن أنه يقف إلى جانب المواطنين في التعبير عن رأيهم، وأن الأمن موجود فقط لحمايتهم. المتظاهرون لهم مشكل مع الحكومة ويشتكون إلى الملك، والملك يقف إلى جانبهم، لكنهم يرفضون فك الاعتصام، والمظاهرات مازالت متواصلة.
الأردنيون خرجوا إلى الشارع احتجاجا على الحكومة التي قررت الزيادة في أسعار المحروقات، وأعلنت زيادة في الضريبة على الدخل، ما دفع النقابات إلى تنفيذ إضراب عام فاجأ الحكومة والقصر بقوته، إلى درجة أن الملك طلب من الحكومة التراجع عن القرارات التي اتخذتها، أملا في تخفيف الاحتجاج، لكن المتظاهرين في المدن رفعوا سقف مطالبهم، وباتوا يطالبون برحيل الحكومة،. وتسارعت الأحداث بسرعة واستقبل الملك رئيس الحكومة وأقاله واستقالت الحكومة، وكلف وزير التربية والتعليم عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة.
ماذا يستفاد من هذا التطور على الساحة الأردنية؟ أولا، يعني ذلك أن الشارع العربي مازال يغلي منذ الموجة الأولى للربيع العربي، وأنه لا حل إلا بالتجاوب مع انتظارات الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن المناورات ضد الإصلاحات لن تفيد في شيء، بل سيكون ثمنها غاليا، إن على المدى القريب أو المدى المتوسط. ثانيا، أن الهوة مازالت تتعمق بين فئات واسعة من الشعوب العربية ونخبها الحزبية والسياسية. النخب الحاكمة لا تجد حرجا في تنفيذ إصلاحات على حساب معيشة المواطن، دون أن تعطي المواطن شيئا في المقابل، وما وقع في المغرب نموذج صارخ، فقد جرى إصلاح أنظمة التقاعد على حساب الموظفين، وألغي دعم المقاصة دون منح دعم مباشر للأسر، واستغلت شركات المحروقات تحرير القطاع لتجني أرباحا إضافية تقدر بـ17 مليار درهم على حساب المواطن. المؤشرات تظهر أنه خلال السنوات الأخيرة تعمقت الهوة بين الفقراء والأغنياء. أمام هذا الوضع، لم يجد الناس أسلوبا للتنفيس عن غضبهم، بعد القمع الذي ووجهت به مظاهرات الحسيمة وجرادة، سوى مقاطعة منتجات استهلاكية معينة، دون حاجة إلى التظاهر أو رفع الشعارات. جلسوا في بيوتهم خلف حواسيبهم وشاشات هواتفهم للتحريض على المقاطعة، ونجحوا في ذلك، وأربكوا الشركات والحكومة. إنها الموجة الثانية من الربيع العربي. في الأردن كان الاحتجاج القوي في الشارع، وفي مصر وليبيا الأوضاع غير مستقرة إلى حد الآن، والأمر نفسه في تونس، أما في المغرب فقد برزت ظاهرة المقاطعة التي لا يعرف أحد إلى أين تسير.

شارك المقال