السعادة والحرية

27/06/2018 - 16:14

ظل البعض ينظر إلى كلمة الديموقراطية، لسنوات طويلة، باعتبارها حلاً سحرياً لكل الأزمات. مع استقلال المغرب  في 1956، تداول كثيرون هذه الكلمة بشكل واسع، واعتقد البعض أنها تسمية لواحد من مواسم السنة، وذهب آخرون إلى اعتبارها ضيفاً كان ينوي زيارة البلد بعد تحرره من الوصاية الفرنسية.

كل الأحزاب السياسية حاولت توظيف الكلمة نفسها في خطاباتها السياسية. ولكن، لا أحد منها استطاع تقديم شرح لها.

يوعز البعض سبب وصول حزب العدالة والتنمية إلى قمة هرم الحكومة في المغرب إلى هذا التقليد القديم والجميل، أي الديموقراطية. لكني سأخيب ظنكم وأقول إن المغرب، مثل تونس ومصر، وبقية بلدان الوطن العربي، لا يعيش في ظل حكم ديموقراطي حقيقي. صحيح أنه تم تنظيم انتخابات، حرة وشفافة، وبدون تزوير، ولكن ما نجم عنها إنما مجرد نتاج استخدام تقنية وليست ثقافة سائدة.

لأن الديموقراطية، باعتبارها النظام السياسي الأقل سوءاً في العالم، هي، قبل كل شيء، ثقافة نتعلمها، بشكل يومي، وانطلاقاً من المدرسة الابتدائية. فهي لا تكتسب، لهذا فالكثيرون يتحدثون عن الديموقراطية دونما تقديم تعريف لها، أو إسقاطها على الواقع.

مبدئياً، ينطلق تعلم الديموقراطية من المنزل. فهناك قواعد وقوانين، غير مكتوبة، مبادئ يلقنها الآباء للأبناء. هذا ما نطلق عليه مبدأ «العيش المشترك». في غياب هذه القاعدة، ستبرز الفوضى، عدم الاستقرار، ويطفو خصوصاً منطق حكم الأقوى. في المنزل، نتعلم احترام فضاء الآخر، حياته الخاصة، وجهات نظره.

في المدرسة أيضاً، نتعلم العيش المشترك مع الآخر، رغم أن هذا المبدأ لا نقرؤه في المقررات التي تفرضها وزارة التربية.

إن السعادة الفردية تستوجب استقراراً عاماً. الرغبة في العيش السعيد هي لذة إنسانية كونية. الجميع يتطلع لبلوغ السعادة. أن تعيش سعيداً يعني أن تعيش في توافق مع نفسك، في تناغم يساهم في تطوير قيم ثقافتنا.

أحب التعريف الذي يقدمه توماس مان في كتابه «غوته وتولستوي»: «ما نسميه (سعادة) يتجذر في التناغم وفي الوقار، في الوعي بالهدف، في التوجه الإيجابي، الواثق والذي يحدده العقل، السعادة، باختصار، هي راحة النفس».

في المغرب، كما في بقية الوطن العربي، الفرد يبقى غير معترف به. إنما الجماعة، العائلة والقبيلة التي تلقى اعترافاً. لهذا فإننا نجد صعوبات في تأسيس دولة القانون. فاللاعدالة، وما ينجر عنها من رشوة، تمثل معيقات تأسيس الدولة.

المواطن العربي يشعر بالسعادة لمّا يوجد في مجموعة، بين أفراد العائلة. حينها يشعر بالأمان، بالتوافق مع هويته. حيث يدرك بأن هنالك من سيساعده، من سيحميه. بالتالي، نجد أن البطالة مثلاً ليست لها نفس تأثيرات القنوط، على الفرد العاطل عن العمل، كما نجدها في الغرب. العائلة لا تتخلى بتاتاً عن أي واحد من أفرادها.

في أوروبا، تلعب الدولة الدور ذاته من خلال تطمين البطال بمنحه مساعدة مادية.

السعادة نجدها في الراحة. الإسلام يلعب، غالباً، هذا الدور. لما يُفهَم بشكل حسن يصير ديناً مهدئاً ومطمئناً للفرد. رغم أن الأشياء تظل نسبية، فإن مفهوم السعادة صار جد منتشراً بين أفراد الشعب.

أذكر أني رأيت أناساً سعداء في القاهرة، رغم أنهم يسكنون رفقة الأموات. هذا لا يعني أنهم سيرفضون شقة في مبنى جديد، لكنهم يكتفون بما وهبتهم الحياة. يجمعهم الإيمان بالله والتطلع إلى الأمام.

السعادة لا تفرض بقانون، كما ذكر إيمانويل كانط (1793): «الظروف الاجتماعية لا تكفي لفرض السعادة كمبدأ تشريعي». وهو الفيلسوف نفسه الذي كتب: «أمل بلوغ شعور السعادة لا يبدأ سوى مع الدين». بهذا المعنى، يصير الدين أخلاقاً. مجموعة قيم تفرق الإنسان عن الحيوان، وتمنحه فرصة التوجه نحو التطور، نحو الأفضل.

لكن، لا بد أن نقر أن هذه الرؤية إنما هي رؤية مثالية، طوباوية. الإنسان هو المنظم الأفضل، وهو المسؤول عن شعور الحزن.

فهو الذي أوجد الحرب والذي حافظ عليها على طول الزمن. لا نرى مثلاً حيوانات تتقاتل فيما بينها. كما أنني لست أتفق مع المثل القائل: «الإنسان ذئب للإنسان». يجب أن ندرك أن الإنسانية قادرة على تحقيق النظيرين: تضامن شامل أو مجازر شاملة.

في رواندا، خلال الحرب الطائفية، قام أصدقاء، من طائفتين مختلفتين، بالتناحر وقتل بعضهما البعض. بالتالي، فإن سعادة المجتمع تبقى قضية هشة. فلسبب بسيط يمكن أن يدخل نفق المأساة.

وهو ما نراه اليوم في سورية، حيث يقتل النظام يومياً مئات المواطنين. يوزع الأسى والهم والحزن. سورية مثال عن مجتمع متحضر كان يعيش في سلم، ولم يكن يتخيل يوماً أن رئيسه سيكون متقبلاً لخيار التحول إلى مجرم يقتل شعبه.

مفهوم السعادة في الوطن العربي يختلف عما هو عليه بالنسبة للآخرين. ما نسميه «الربيع العربي» حرر الشعب التونسي، ونظيريه المصري والليبي من الأنظمة الديكتاتورية، لكنه لم يحمل لهم السعادة وحق العيش في عالم حرّ ومتحرر.

في ظل أنظمة سياسية توظف الدين كإيديولوجيا، فإننا سنبتعد عن شروط تأسيس دولة القانون وعن الديموقراطية التي تحمل قيماً إنسانية، قيم التعاون والحرية. فلا سعادة بدون حرية، بدون حرية التفكير، بدون حرية الخيار، بدون حرية التنقل، بدون حرية المعارضة، بدون حرية المساندة، وبدون حرية التعبير.

شارك المقال