تلك المسيرة..

18/07/2018 - 13:02
تلك المسيرة..

مرت مسيرة الرباط المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الحراك الاجتماعي، ورفع الحصار الأمني عن منطقة الريف، كما مرت قبلها مسيرة البيضاء للغرض ذاته، وكذا مجموعة من المبادرات المدنية المختلفة في الشكل، والموحدة في الهدف. طبعا، توجت تلك المبادرات المتفرقة في الزمان والمكان بمسيرة الرباط، التي جاءت محملة بالكثير من الرسائل، فلم يسبق في تاريخ البلاد أن نظمت مسيرة وطنية بذلك الحضور الوازن واللافت تحت يافطة مطلب حقوقي: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتكون الدعوة خارجة من وراء قضبان السجن. وحدها هذه الجزئية جديرة بالاعتبار، فلطالما ظل ملف الاعتقال السياسي معزولا بالمقارنة مع الملفات الاجتماعية، وحتى بالقضايا ذات الطابع القومي/الإنساني، أو بالملفات ذات الخلفية الهوياتية، وهذه أول مرة يحضر الحقوقي بهذه القوة سواء في الأشكال التضامنية أو في النقاشات العمومية. فهل الأمر مرتبط بطبيعة هذا الملف؟ أم له علاقة بأخطاء الدولة في التدبير التي ساهمت في تملك القضية شعبيا؟ أم هو تطور في أشكال واتجاهات الوعي الاحتجاجي؟
إن أي متابع منصف، غير مصاب بواحدة من هذه اللوثات: التمخزن أو الحقد الإيديولوجي أو الانغلاق الهوياتي أو إدمان نظرية « المؤامرة »، سيستخلص من هذه المسيرة أن النظام، أو بعبارة أدق من تحكموا وانفردوا بهذا الملف، رافضين حتى مجرد الإنصات لوجهة رأي العقلاء، لم ينجحوا في عزل حَراك الريف وملف معتقلي الحراكات، لا سياسيا ولا شعبيا. فسياسيا، خرجت العدل والإحسان، أكبر تنظيم إسلامي بالبلد، جنب الحركة الأمازيغية (التيار ذو الامتداد الشعبي المتنامي في الآونة الأخيرة، خصوصا في المناطق الناطقة بالأمازيغية) ومعهما مختلف أطياف اليسار (الفيدرالية والنهج وتيار الأممية الرابعة والقاعديون ومناضلون ينحدرون من الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية).. بما يفيد احتضانا سياسيا للحراكات الاجتماعية وتبنيا واضحا لقضية المعتقلين السياسيين.. مما يجعل الدولة بأدواتها القمعية والقضائية والإعلامية معزولة على هذا المستوى. أما شعبيا، فقد كانت سقطة العقل الأمني واضحة، إذ بعدما نجح نسبيا عندما انطلق الحراك في تشويهه وإقناع جزء لا يستهان به من المواطنين البعيدين عن منطقة الريف، وغير المدركين لخصوصياتها وتاريخها بسردية الانفصال وتجارة المخدرات والتهريب وهلم إشاعات، موظفا الإعلام الرسمي والتابع ونشر الإشاعات والصور المفبركة أو المنتزعة من سياقها عبر « الواتساب »، دون وعي منه أنه يلعب بالنار، ويهدد السلم والوحدة الوطنيين، لكن حبل الكذب قصير. إذ بعد انطلاق حملة الاعتقالات العشوائية وقمع الاحتجاجات بعنف، غير مقبول وصل حد استشهاد مواطنين وتكسير أبواب المنازل والاعتداء على وقفات للنساء، وقع تحول لافت في موقف الرأي العام، من التشكيك في حراك الريف إلى التعاطف معه، تعاطف زاد منسوبه بعد صدور الأحكام الظالمة، والنتيجة أن الحراك استطاع بضعف إمكانياته وعدالة قضيته وصمود مناضليه في عزل الحكم سياسيا وشعبيا، ونزع ورقة حقوق الإنسان التي كان النظام يشهرها خارجيا، مقارنا بينه وبين باقي الأنظمة في المنطقة.. لكن في المقابل، هل وضع الحراك ومنطقة الريف والمعتقلين الحراكيين مريح؟
أعتقد أننا سنكون من الواهمين إذا قلنا إن وضعهم مريح، فمدينة مثل الحسيمة ونواحيها تعيش تحت وطأة حصار أمني يزيد من منسوب الاحتقان والشعور بالإذلال، وقد تراجعت الأنشطة الاقتصادية، وعادت ظاهرة قوارب الموت المبحرة نحو الضفة الأخرى هروبا من وطن لم ينصف منطقة، واستيقظ أهلها على صفعة وهْم المصالحة المُفترى عليها.. منطقة قد لا أجازف إذا قلت إنها فقدت أكثر من نصف شبابها في سنة واحدة، ما بين معتقل ومهاجر قسريا ومختف عن الأنظار وراحل صوب طنجة هروبا من واقع لم يعد مطاقا هناك.. سنكون من الواهمين إذا غضضنا الطرف عن معاناة أكثر من 500 معتقل حاليا، وما ينيف عن 800 مواطن متابعا، كل هؤلاء وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها ضحايا مطالبتهم بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم، قد يجادل بعض المسخرين بأنهم توسلوا طرقا غير مشروعة وغير قانونية، ومع أن هذا الدّفع تُكذبه الوقائع، ومع ذلك سنسلم به لدواع حِجَاجية فقط، ونسأل: هل الدولة الحديثة هي دولة حريات أولا، أم دولة أمنية أولا؟ هذا دون الحديث عن وجع عائلات المعتقلين، وجع أثناء التنقل لسجون: الحسيمة وزايو والناضور وتاوريرت وفاس وعين عيشة والدار البيضاء كل أسبوع.. وجع عند كل وجبة فطور أو غذاء.. وجع أكبر كل عيد.. (يتبع)

 

شارك المقال