عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية، يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.
ألا تعتقد أن ما يجري حاليا من انتكاسات وأحداث اجتماعية وسياسية، صارت تعرف عن المغرب في الخارج أيضا، ليست عذرا أو ملهاة حتى تحول النظر عن الاهتمام بالتنمية، وإنما هي نفسها تنطق بما نطق به الملك حين دعا إلى إعادة النظر في نموذج التنمية الحالي؟
حين يطلع المواطن على ما يقدمه الإعلام، بجميع أصنافه وما يركز عليه، يجد أن هناك اهتماما كبيرا بمسائل ليست في صميم ما ننتظره. وإنما هناك حديث عن أشياء هامشية، تخص مثلا الحوادث وأنواع الجرائم الفردية وأنواع الغش، وما ماثلها من فضائح خاصة… وهذه كلها أشياء أصبحت مكشوفة ومعروفة منذ زمن، وليست هي ما يجب مواصلة الخوض فيه وإعلانه، وإنما وجب التساؤل عن العلاج وطرقه وتقديمه.
ومن هنا فإن دور الإعلام بالغ التأثير، وبدل اهتمامه بأشياء معينة، بما في ذلك بعض المسائل الثقافية والفنية، عليه الاهتمام بحل مشاكل المواطن، فأي قيمة للاهتمام بتظاهرات وأحداث الفن والثقافة في هذه الظروف الراهنة المأزومة؟
تقصد أن الإعلام المغربي يشتت انتباه المواطن كما المسؤولين عن الأهم والأساس؟
الاهتمامات مشتتة وموزعة في الإعلام المغربي اليوم. وربما قد تكون اختلاقا لبعض المشاكل لشغل الناس وإلهائهم، وهو ما يؤكده فعل الإثارة المشتغل عليه، فتجده يثير قضايا لا مكان لها في هذه المرحلة، ولا حتى في مراحل أخرى.
ما نموذج هذه القضايا التي تقصد، أستاذنا؟
حديث الإعلام مثلا عن بعض أنواع الحريات الفردية، بطريقة لا تثار حتى في بلدان غير إسلامية، وجعلها موضوعا مفتوحا للنقاش. هنا يبدو واضحا أن هناك من يريد أن يلصق بالثقافة المغربية أشياء لا يمكن أن نقبلها، ولا يمكن أن تلائم الشعب المغربي، بصفته شعبا عريقا مسلما، له قيمه ومقوماته…
على ذكر الحريات الفردية، كثر في السنوات الأخيرة خروج مجموعات مختلفة للمناداة بأنواع من الحريات الفردية التي لم يكن الحديث عنها مقبولا. ما قراءتكم في هذا الصدد؟
مما ينبغي أن نعتز به في المرحلة الحالية أن المغرب يعيش فترة من الحرية، فنرى أن الناس يشعرون بالتحرر وهم يعبرون عن آرائهم كما يشاؤون. ولكن وسط هؤلاء المتحررين من ينشرون ويبحثون عن نشر بعض السموم، ويلهون الناس عن القضايا الأساسية المرتبطة في أصلها بمبدأ الحرية.
وهنا أعود لأؤكد أن حرية التعبير هي أن تكون لك نظرة تصحيحية، ورؤية ذاتية وتصور لما ينبغي أن يكون، بناء على قيم إنسانية نبيلة، وليس أن تأتي بأشياء غريبة، ربما لم تخطر ببال أحد، لهدم قيمك وكل ما يتصل بجذورك وإنسانيتك المتوازنة.
هل يمكن أن نقول إن المناداة ببعض أنواع الحريات الفردية ضرب لهوية البلد؟
طبعا، فنحن معتزون بدرجة حرية التعبير التي وصلنا إليها اليوم، ولكن هذه الحرية مسؤولية كبيرة ينبغي أن نعرف كيف نستعملها ومتى نستعملها. وليس كل من هب ودب مخول لأن يقول ما يشاء وكيفما يشاء، ويضرب الأمة في صميم ما تقوم عليه، في عقيدتها وأخلاقها. فهذه ليست حرية.
قولكم هذا قد يعلق عليه البعض بأنه ضرب للديمقراطية التي يسعى المغرب إلى تحقيقها؟
هذه قراءة خاطئة، ومن يفكر على هذا النحو، حتما سيكون شخصا حاملا لمعان خاطئة عن الديمقراطية الحقة.