مع استقالة محمد البريني من عضوية المجلس الوطني للصحافة، وتجميد فدرالية الناشرين مشاركتها في مسلسل تشكيله، دخل المجلس عمليا عنق الزجاجة.
هذا المجلس الأول من نوعه في المغرب الذي عُول عليه للنهوض بالمهنة ودعم الأخلاقيات ومواثيق الشرف، والنهوض بالممارسة المهنية التي باتت تتعرض لأبشع أنواع الانتهاك، شكل تأسيسه، مع الأسف، مناسبة لكشف كل أمراض المهنة، فتابعنا المناورات والحملات من هنا وهناك، وتبادل السب والشتم بين الزملاء في مهنة المتاعب، وكل ذلك بسبب رغبة كل طرف في أن يكون له موطئ قدم في المجلس، وجرى التعامل مع المجلس باعتباره غنيمة وليس فرصة وأداة مهمة للضبط الذاتي وتنظيم المهنة.
البريني (75 عاما) شخصية إعلامية معروفة، له تاريخ في الممارسة الصحافية، عمل مديرا لجريدة الاتحاد الاشتراكي، قبل أن يؤسس «الأحداث المغربية»، وقد اختارته فدرالية الناشرين لعضوية المجلس، لكنه، وهو يتابع ما يجري، أبى إلا أن يسجل موقفا يحسب له. في رسالة استقالته رسم صورة سوداء للمشهد الإعلامي.
«الجو الذي خيم على مشهدنا الصحافي، منذ انطلاق المراحل العملية لتشكيل المجلس»، يقول البريني، «لم يزدد إلا تكدرا وتعكرا وتعفنا»، و«هذا الجو كرس، وا أسفاه، الصورة السلبية التي كونتها عن الصحافة المغربية فئات واسعة من المواطنين، ما يهدد بتجريد المجلس من المصداقية ومن السلطة المعنوية حتى قبل تنصيبه»، لذلك، اعتبر أن وجوده في المجلس لن تكون له أي فائدة، وأن من واجبه التنازل عن عضوية المجلس والانسحاب. إنه موقف، يقول البريني، «أملاه علي خوفي من لن أجد نفسي، وأنا في أواخر عمري، أزكي وضعا لست متأكدا من أنه لن يخذل المهنة». بعد استقالته، أعلنت الفدرالية المغربية لناشري الصحف موافقتها على استقالة البريني المليئة بـ«الدروس والعبر»، وقررت بدورها تجميد الناشرين إسهامهم في مسلسل هيكلة المجلس الوطني للصحافة، إلى حين تصحيح المسار وتنقية الأجواء الكفيلة بأن تجعل من المجلس «جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة».
لماذا وصل مسلسل تشكيل المجلس إلى هذا الوضع؟ منذ صدور القانون المنظم للمجلس، وتشكيل لجنة الإشراف على انتخاب المجلس، أثير جدل حول اعتماد نظام الترشيح باللائحة لانتخاب سبعة من ممثلي الصحافيين. ممثلو النقابة داخل لجنة الإشراف أصروا على نظام اللائحة، وهو ما رأى فيه صحافيون آخرون، تتوفر فيهم الشروط القانونية، تضييقا على فرص ترشحهم بشكل فردي. علما أنه جرى اعتماد الترشيح الفردي لاختيار ممثلي الناشرين. من هنا بدأ المشكل، وتشكلت في آخر لحظة لائحتان متنافستان للائحة النقابة، وتطور الأمر إلى انسحاب اللائحتين، وإلى دعاوى قضائية، وإلى تبادل للاتهامات بالسعي إلى الهيمنة على المجلس، ورغم إعلان لجنة الإشراف فوز لائحة النقابة، فإن الأمور لم تقف عند هذا الحد بل تطورت عند اختيار العضو الشرفي في المجلس من طرف النقابة، حيث وقع خلاف داخل صفوف النقابة نفسها، وصدرت بيانات منددة بقيادات داخلها، ما زاد الشرخ عمقا.
حدثت كل هذه التطورات قبل إعلان تنصيب المجلس رسميا، ما يطرح تساؤلات حول كيفية الخروج من هذا المأزق؟ لكن، قبل الجواب، لا بد من الإشارة إلى أن انتخاب المجلس افتقر أصلا إلى الحماس من جانب الصحافيين لأسباب مختلفة، منها التطاحانات الجارية. فهذا المجلس يفترض أن ينظم مهنة تضم عددا محدودا من الصحافيين لا يتعدى حوالي 2400 صحافي يحق لهم التصويت (1969 صحافيا منهم يتركزون في الدار البيضاء والرباط). نسبة المشاركة وطنيا في هذه الانتخابات كانت ضعيفة، حيث وصلت إلى 43.3 في المائة. وسط صحافيي الرباط لم تتعد النسبة 35 في المائة، وفي صفوف صحافيي الدار البيضاء 44 في المائة.
حاليا، هناك عمليا تجميد لتشكيل المجلس، وهناك دعاوى جارية أمام القضاء، وللخروج من المأزق أرى أن هناك حلا واحدا هو أن تتحمل الحكومة مسؤولياتها لمعالجة هذا الوضع. فالقرار الذي اتخذته لجنة الإشراف باعتماد نظام الترشيح باللائحة هو الذي تسبب في اندلاع المشاكل كلها، لأنه، بالعودة إلى القانون المنظم للمجلس، لا يوجد ضمن صلاحية اللجنة وضع نمط الاقتراع، بل مهمتها فقط الإشراف على العملية الانتخابية وحصر لوائح الناخبين. وخلال مناقشة القانون في البرلمان أو عرضه من طرف الحكومة، لم يكن هناك أي حديث عن اعتماد نمط لائحي، بل كان يجري الحديث عن الاقتراع الفردي لانتخاب ممثلي الصحافيين والناشرين. وفي جميع الأحوال، كان على الحكومة والبرلمان سد هذه الثغرة، والتنصيص في القانون على إصدار نص تنظيمي ينظم عملية الانتخاب. لو تحملت الحكومة مسؤوليتها منذ البداية ما وصلنا إلى هذا الوضع الذي ينطبق فيه على المجلس المثل القائل: «من الخيمة خرج مايل».