رسالة من قارئ جبان إلى صحافي شجاع

27/07/2018 - 12:25
رسالة من قارئ جبان إلى صحافي شجاع

من أشرف زين العابدين إلى توفيق بوعشرين:

سلام عليك حيث أنت أيها الصحافي الشجاع، سلام عليك يا رجلا يتحمل عذابا قاسيا من أجل كلمة حرة. أنت هناك، في زنزانة معزولة في سجن قديم، محروم من عائلتك ومن أصدقائك ومن قرائك ومن حريتك… ونحن خارج السجن نعاين جريمة سياسية.

يُقتل الصحافي مرتين؛ مرة في المحكمة ومرة في إعلام المسخ والافتراء…

كنت لسنوات صوتنا الذي لا يسمع، وكبرياءنا الذي لا يتحرك، وشجاعتنا التي خانتنا. إنك واحد من ممثلي ضميرنا الجماعي المستتر، الذي لا يجرؤ على قول لا للجبروت، للظلم، للفساد، للاستخفاف بالرأي العام.

منذ رموك في السجن قبل خمسة أشهر والصحافة الحرة في حداد. منذ داهموك في مكتبك بفرقة من أربعين شرطيا والحروف تدمع والأحرار بلا لسان ولا قدرة على التفكير من هول الصدمة.

وتجرؤ أجهزة الأمن على المغامرة باعتقال صحافي مشهور بملف أخلاقي مزعوم، بدأت حقائقه تنكشف مع الأيام من البيضاء إلى بروكسيل.

يا رجل، إنهم يحاصرونك في السجن حتى لا تصل إليك أصداء التعاطف معك، ويعزلونك في جناح إنفرادي حتى لا تصل إليك حرارة التضامن. إنهم يجندون كتيبة من المحامين وأشباه الصحافيين ليغطوا على عورات هذا الملف الذي بدأ يذوب تحت أشعة الحقيقة، فالافتراء مثل الكذب حبله قصير.. فلا تحزن.

لا تحزن ولا تنكسر، إنَّا «رادوك» إلى جريدتك وإلى عائلتك وإلى أصدقائك، وإلى افتتاحياتك التي كانت منارة يشع منها نور الحقيقة وصفاء الكلمة وأناقة الجملة وبراعة وشجاعة كشف المستور.

إن الرأي العام لا يصدق حكاية الاتجار في البشر، وأمامه دلائل عديدة على أن التهمة الحقيقية هي رفض الاتجار في القلم كما قلت.. إن كسر قلم مزعج من أجل التخلص منه وبعث رسالة الخوف إلى الآخرين لن يمر بالسهولة التي اعتقد المهندس أنه سيجربها معك.

يا ليتك كنت معنا يوم الأحد الماضي عندما نزل مئات الآلاف إلى شارع محمد الخامس بالرباط للاحتجاج على المذبحة القضائية لشباب حراك الريف ولرفض اعتقال الصحافيين، وفي مقدمتهم أنت.

أنت في السجن، لكن صورك كانت تجوب مسيرة الرباط مخاطبة الجميع بأن «مؤامرة توسيع رقعة العبيد وتضييق مساحة الأحرار لن تمر دون كلفة ودون حساب».

لن ننسى دفاعك الشريف عن كل ذي قضية عادلة، لا ننسى مرافعاتك البليغة عن الربيع المغربي الذي انفجر في 20 فبراير 2011. ولن ننسى دفاعك المستميت عن حراك الريف وزاكورة وجرادة وكل التعبيرات السلمية والحضارية لأبناء هذا الشعب. لن ننسى معارضتك خروج النيابة العامة من خيمة وزارة العدل دون ضمانات ودون ضوابط تحمي المجتمع من توغل هذه الآلة التي تفترسك اليوم بلا رحمة ولا شفقة…

لقد كنت صوتا لا يهادن الاستبداد والفساد والريع والاحتكار وتزوير الانتخابات والتلاعب بالدستور.. لقد حذرت من زواج السلطة بالمال، ومازلت أتذكر افتتاحيتك الرائعة حول «مخطط الاستحواذ على الدولة»، والتي حذرت فيها قبل سنة من السطو على القرار العمومي وخلط المصالح العامة بالمصالح الخاصة.

يا رجل، لا تظن أنك معزول في زنزانة مهجورة، بالعكس «حملة المقاطعة» في جزء منها انتصار وانتقام لك من إمبراطور الغاز الذي سعى في اعتقالك، وراح يدق كل الأبواب لإخراس صوتك، بعدما فشل في استعمال سلاح الإشهار معك، كما فشل في إقناع قاض بإعطائه مليارا مع تابعه بوسعيد من جيبك وجيب جريدتك تمهيدا «لخراب بيتك».

حملة المقاطعة تجسيد حضاري لما كنت تحذر منه كل صباح، وأعني خلط السياسة بالتجارة، والانزلاق إلى دولة رجال الأعمال، وإجهاض تجربة الإصلاح في ظل الاستقرار، وتحويل الدستور إلى بضاعة في البازار السياسي، كل يوم لها ثمن وكل يوم لها شكل.. كل هذا وغيره حذرت منه بلغة لا خشب فيها وكلمة في زمانها ومكانها…

في البدء كانت الكلمة، وبعد الكلمة يأتي امتحان الدفاع عنها، وبعده يأتي وقت دفع الفاتورة أو التخلي عن شرف الكلمة، وها أنت اخترت دفع فاتورة عالية الكلفة من أجل مواقفك، وفوق الفاتورة غرامات فادحة من استقرار أسرتك وبياض سمعتك ومستقبل جريدتك، جريدتنا التي يحاولون خنقها الآن ماليا بعدما اعتقلوا صاحبها جسديا.

تستطيع الدولة أن تبني آلة أمنية جبارة، لكن الآلة الأمنية، مهما بلغ جبروتها، لا تبني دولة قوية تحمي الاستقرار ويفخر بها المواطن في الداخل والخارج.

أيها الصحافي الشجاع، اغفر لنا جبننا، واغفر صمتنا، واغفر تخلينا عنك في هذه المِحنة، فحتى عبد الإله بنكيران، صاحب اللسان الطويل والذي طالما دافعت عنه كما لم يدافع عنه حتى أبناء عشيرته، لم يسعفه لسانه في قول كلمة حق أمام ملف جائر، وكل ما استطاع قوله هو مدح شجاعة محمد اليازغي، الذي قال كلمة حق في زمانها ومكانها، وندد باعتقالك، ولم يخف عنه خيط المؤامرة في ملفك، وهو الذي كان ضحية طرد ملغوم في السبعينات، ويعرف خبايا صناعة الطرود، أما وزير حقوق الإنسان، مصطفى الرميد، الذي باع تاريخه بحاضره ورصيده الحقوقي بكرسي وزاري، فاختار إدانتك قبل أن يصل الملف إلى يد القاضي الجنائي، وطاف بمحاضر الزُّور على الوزراء والصحافيين مخافة أن يفسد التضامن معك طاجين الحكومة «الفاسد».
لا تؤاخذ الرميد، أيها الصحافي الشجاع، فهو لم يخذلك وحدك، لقد خذل الكثيرين، وما على أحرار هذه البلاد إلا أن يتقبلوا العزاء فيه حيّا بعدما سلخ المخزن جلده القديم، وحوله إلى هيكل سياسي بلا روح حقوقية ولا سياسية ولا حتى إنسانية…

لقد خرج طالبو الثأر منك متعطشين لدمك، فهذه موظفة في ديوان وزيرة ترمي عليك التهمة، وهذا سائق متقاعد للتراكتور يبعث بحريمه إلى المحكمة لينتقم من كتاباتك التي نعيت فيها «البام» يوم عقيقته، وهذا إدريس لشكر يصفي حسابات الكفيل والمكفول وهدايا طريق زعير، وبالضبط في الكيلومتر 9، فبعث فريقا كاملا من المحامين تتقدمهم «حمالة الحطب» لإشعال النيران في جسدك.. أما المهندسون الآخرون، فيجلسون في الظل يهندسون أطوار محاكمة بلا قانون، ومحكمة بلا عدالة، ويوجهون آلة إعلامية تأكل الأخضر واليابس كوحش متعطش للدم.

يا رجل، اغفر لهم جميعا، واتركهم لضمير التاريخ وذاكرة الشعب، فإنهم سيدخلون إلى قفص اتهام أكبر من ذلك الذي توجد فيه الآن بتهمة محاولة اغتيال صحافي نقي وشجاع ومهني.. وستسمع الحكم الذي يرضيك في حق كل هؤلاء الذين تكالبوا عليك اليوم، فحبل الظلم قصير مهما طال، والليل يعقبه النهار، وعندها سيفضح نوره عتمات المؤامرة وظلام النفوس الصغيرة…

شارك المقال