الخلاص في مزيد من الإصلاح

31/07/2018 - 12:25

دون مفاجآت، أكد الخطاب الملكي، الذي تابعه المغاربة مساء أول أمس بمناسبة ذكرى عيد العرش، استمرار القراءة النقدية التي تبنتها الخطب الملكية منذ أربع سنوات على الأقل. «أحس بأن شيئا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي»، يقول الخطاب الملكي، ملخصا شعورا عاما يكاد يوحّد المغاربة جميعا.

هذه الأعطاب التنموية والاجتماعية، التي تحوّلت اليوم إلى قنبلة اجتماعية فجّرت المقاربة الأمنية في فصلها الخاص بالريف أحد ألغامها، لا تحضر في الخطب والرسائل الملكية من باب الرصد والتشخيص فقط، بل لأنها تجسد خللا أصاب مشروعا كاملا في الحكم والتدبير، هو الذي أعلنه الملك محمد السادس بعد توليه العرش. هاجس الحرص على الوحدة الوطنية والتصدي للتهديدات، الذي حضر في خطاب العرش لهذا العام، يؤكد بدوره أن المملكة ليست في منأى عن التحولات الدولية والإقليمية الكبرى التي تهز العالم حاليا.

وليس من باب المبالغة القول إن المغرب يدخل تدريجيا منطقة التهديدات المرتفعة، بفعل اتساع رقعة الصراعات الجشعة التي تدور بين القوى الدولية الكبرى، والتي لم تسلم منها أي من مناطق العالم، وجل المؤشرات تقول إن إفريقيا ستشهد الموقعة الكبرى، ما يفسّر التحركات الدبلوماسية الكبيرة التي قام بها المغرب في الفترة الأخيرة، لمراجعة تموقعه داخل وتجاه هذه القارة.

السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق، هو: كيف ينبغي لنا، دولة ومجتمعا وكيانا، تحصين أنفسنا في مواجهة هذه التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة؟ هل ينبغي الاستسلام بسهولة لمقولة التضحية بالداخل لمواجهة تهديدات الخارج؟ هل إحكام القبضة السلطوية على المجتمع وتقييد حرياته، والإمساك بجميع مصادر الثروة والقرار والتأثير، يؤدي إلى تقوية الدولة في مواجهة التحديات والتهديدات الخارجية؟ لا شك أن هذه التساؤلات تنطوي على شحنة استنكارية واضحة، لأن أجوبتها تصدر بداهة عن نماذج دولية قديمة وحديثة لكثير من الدول التي عجزت عن الصمود أمام مؤامرات الخارج رغم كل ما حازته أنظمتها من سلطات مطلقة.

ولكي لا نذهب بعيدا في مقارنات قد لا تخلو من إسقاطات غير دقيقة، يكفي أن نعود إلى تاريخنا القريب، لنلاحظ كيف أن الملك الراحل الحسن الثاني، وبعدما جرّب أسلوب الهيمنة السياسية والقبضة الأمنية على مدى العقدين الأولين من عهده، بات، منذ منتصف السبعينيات، يعزز شرعيته ويقوي حكمه بتقديم جرعات من الانفتاح والديمقراطية. فعندما قرر الحسن الثاني إطلاق مشروع تحرير النصف الجنوبي من المغرب عبر المسيرة الخضراء، أي الخروج لمواجهة خصوم وتهديدات خارجية، كان ذلك متزامنا مع إطلاق ما يعرف بالانتقال الديمقراطي. هذا الانتقال، ورغم ما عرفه ويعرفه من أعطاب وتذبذب، شكل حينها نهاية لخيار القطيعة والإنهاك، الذي اتخذته النواة الصلبة للنظام المغربي بعد الاستقلال تجاه القوى السياسية الوطنية.

حتى عندما تاه مشروع الانتقال الديمقراطي هذا بين كثبان الصحراء خلال أكثر من عقد من الحرب الدامية، وحين أراد الحسن الثاني إعطاء شحنة جديدة لحكمه وتجديد دماء شرعيته، بادر، طيلة عقد التسعينيات، إلى البحث عن عرض سياسي جديد يقوم على الانفتاح وتوسيع الحريات، وتسليم جزء من السلطة التنفيذية لحكومة تشكلها القوى السياسية التي تتنافس بـ«شفافية» لنيل أصوات الناخبين.

ولا حاجة هنا إلى التذكير بأن الملك محمد السادس، بدوره، بنى مشروع حكمه في سنواته الأولى على عرض سياسي يقوم على الانفتاح والإصلاح ومزيد من الحرية.

اليوم علينا أن نقولها، بصراحة ووضوح، الاضطرابات الاجتماعية والاحتقان السياسي مداخل بديهية لتسرّب الأجندات الخارجية. لكن السبيل للتصدي لها ليس المقاربة الأمنية والاعتقالات والمحاكمات. والأمنيون، إن كانوا، مشكورين، فعالين في إفشال المخططات الإرهابية ومحاربة الجريمة، فإنهم لن يقدموا حلولا للإشكالات الاجتماعية والتنموية والاقتصادية.

الضعف، الذي وقف عليه الملك شخصيا في مردودية البرامج والأوراش الكبرى التي أطلقها منذ توليه الحكم، يعود إلى عطب سياسي. هذا العطب يتجسد في جيوب الريع والشبكات المصلحية التي تجعل النمو الاقتصادي يصب في مخازنها ولا ينتج تنمية حقيقية.

الداء يجد أصله في غياب منظومة سياسية تسمح للمجتمع بالاستفادة من عائدات النمو من خلال أدوات للتنخيب والتداول على السلطة، وبالتالي، توزيع أكثر إنصافا للثروات.

إن الخلاص الوحيد للمغرب والمغاربة في مزيد من الانفتاح والحرية والديمقراطية. هذه وصفة فعالة لتضميد جراح الداخل، عبر تقليص الفوارق وترتيب المسؤوليات وتفعيل المحاسبة، وتحقيق الانخراط السياسي المبني على المواطنة وليس الزبونية والريع. وهي أيضا فعالة في مواجهة تحديات الخارج، لأنها تسد تشققات الشرعية السياسية التي تسمح بالتسربات، وتمنح العمل الدبلوماسي الخارجي مناعة ومصداقية. إفريقيا، التي كانت إلى الأمس القريب مرتعا لفساد القوى الدولية عبر ما ظلت ترعاه من أنظمة دكتاتورية قائمة على الرشوة، تعطي اليوم نماذج، مثل إثيوبيا ورواندا، تسير بثبات على قدمي التنمية والديمقراطية.

شارك المقال