لم تكد إقالة وزير الاقتصاد والمالية، محمد بوسعيد، بسبب إخلاله بمسؤولياته، حسب منطوق بلاغ الديوان الملكي، تهدأ حتى جاءت قضية وزير التعليم السابق، رئيس جهة مراكش، أحمد اخشيشن. وإذا كان الأول قد لاذ بالصمت على غرار باقي المغضوب عليهم، فإن المثير للغضب والسخط في قضية اخشيشن، هو دسّه رأسه في رمال اللامبالاة والتجاهل كأن شيئا لم يحدث.
في غياب أي معطى رسمي أو حكم قضائي، سوف نلتزم أقصى درجات قرينة البراءة واحترام الخصوصية، والابتعاد عن الحياة الخاصة، وسنفترض، ليس كما تقول موجة السخرية الفيسبوكية أن ابنته تعرضت لاعتداء من طرف عمود الإنارة العمومية الذي صدمها وهي تتعلم السياقة في سيارة تابعة للجهة التي يرأسها والدها، بل سنفترض أن شيئا لم يحدث أصلا. أي أن كريمة أحمد اخشيشن لم تقدم على إخراج سيارة الجهة من مرأب البيت، ولم تتعرض لأي حادث، ولا جرى توقيفها، ولا هي كانت تقود سيارة تابعة للدولة دون سند شرعي…
المصيبة وسبب السخط والاشمئزاز هو هذا الصمت الذي لزمه مسؤول يفترض أنه منتخب، وبات يعتبر واحدا من «خدام الدولة» لكونه حمل حقيبة التعليم سابقا، ومجلة «جون أفريك» ذهبت في أحد أعدادها إلى القول إنه واحد من «كتبة» الجيل الجديد من الخطب الملكية. لو أن المؤسسات السياسية (حزب الأصالة والمعاصرة الذي ينتمي إليه ومجلس الجهة الذي يرأسه) والقضائية (النيابة العامة)، تواصلت حول هذا الموضوع، و«عبّرت» هذا المخلوق الذي يسمى بالمغربي، لكان صمت اخشيشن حكمة واحتراما للقضاء، وتجنبا للتأثير على قرار مجلس الجهة… لكن، والحالة هذه، فإن صمت الرئيس السابق لحركة لكل الديمقراطيين، له معنى واحد، هو الاستهتار بالرأي العام، والاستخفاف بالمال العام، وتكريس قاعدة قائمة مفادها ألا حساب ولا عقاب إلا من «فوق».
تدبيج أكثر عبارات النقد والاستهجان قسوة لن يغيّر من واقع الأمر شيئا، بما أن هناك توجها رسميا شبه معلن نحو تجاهل الرأي العام بل ومعاكسته. في المقابل، سيكون من المفيد تسليط بعض الضوء على شخصية اخشيشن، باعتباره نموذجا لفصيلة معينة من خدام الدولة، أولئك الذين جيء بهم من صفوف اليسار السابق، لمجاورة التقنوقراط والمهندسين في قمرة قيادة الدولة. المصيبة هنا تصبح أكبر، لأن أول ما نصطدم به هو تكوين الرجل، والذي يجعله أحد أكبر المتخصصين في الإعلام والتواصل بالمغرب. فهو أحد مهندسي التحرير المحروس لقطاع الاتصال السمعي البصري، خبير في مجاله، وعمل سابقا أستاذا في معهد الصحافة، ثم مديرا عاما للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري.
يعيد البعض لحظة انطلاق صعوده إلى ما قبل تأسيس الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، فؤاد عالي الهمة، حركة لكل الديمقراطيين وحزب الأصالة والمعاصرة، وتحديدا إلى أولى دورات ماراطون مراكش الذي كان ينظمه الحارس الشخصي للملك الراحل الحسن الثاني، محمد المديوري. اخشيشن كان واحدا ممن يسهرون على حسن سير وتنظيم السباق، فيما كان المرصد الوطني لحقوق الطفل سبيله إلى القرب من مركز السلطة والقرار، بما أن رئيسته هي شقيقة الملك، الأميرة للا مريم.
مسار تكوينه الأكاديمي في الإعلام لم تعطله مرحلة الاعتقال الذي تعرض له سنة 1974 بسبب انتمائه إلى حركة 23 مارس اليسارية، ليُقتاد من الرباط إلى عاصمة النخيل التي مكث في سجنها حوالي ثلاثة أشهر. بعد تأديته الخدمة المدنية بمعهد الصحافة، طار نحو الجامعة الفرنسية ليعود بدكتوراة حول التلفزيون وتأثيره في الوسط القروي، ويبدأ مشوار التدريس في المعهد ذاته، مراكما خبرة أكاديمية وأخرى ميدانية مثل مشاركته في تنظيم المناظرة الوطنية الأولى حول الإعلام سنة 1993، ليشد الرحال بعد ذلك جنوبا، خبيرا إعلاميا لمنظمة الأمم المتحدة للزراعة بموريتانيا إلى حدود سنة 2000.
هو في كل تجاربه المهنية هذه ظل قريبا من تيارات اليسار، متعاطفا معها، لكنه ودع رفاقه في النضال حين بادروا إلى تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وبقي في الآن نفسه محافظا على خط ساخن مع رموز السلطة. عمل مستشارا إعلاميا للاتحادي خالد عليوة أثناء استوزاره في حكومة اليوسفي، فيما رافق الراحل إدريس بنزكري داخل هيئة الإنصاف والمصالحة، وأسهم في إعداد تقرير الخمسينية الشهير…
من غرائب مساره أنه كان يُعتبر الوزير المعارض في حكومة عباس الفاسي، بعدما احتفظ بحقيبة التعليم رغم انسحاب حزب الأصالة والمعاصرة من الأغلبية الحكومية. حينها قيل إن أحمد اخشيشن جمد عضويته في الحزب حتى يبقى في الوزارة. إلا أنه وقبل انتهاء مهام الحكومة، التي أسقطها الربيع العربي، ظهر علينا في أنشطة رسمية للحزب المذكور.
هذه المعطيات، إلى جانب أخرى، قد تساعد في فهم وتفكيك سلوك مسؤولين يمعنون في الاستهتار، مهما بلغت أفعالهم من الاستخشان.