السقوط في الشبكة

29 أغسطس 2018 - 11:34

لو نظرت قليلا وراءك، لاعتقدت أنك قادم من العصر الحجري، أو خارج من أحد الكهوف: خلال ثلاثة عقود، تغير العالم بشكل لا يصدق، ومشت البشرية خطوات عملاقة في اتجاه المستقبل، الذي يصيبك الدوار عندما تتخيل كيف ستكون الحياة فيه. ولو قدر لشخص أن يعود من غيبوبة أصابته منتصف التسعينيات، لعاش ما عاشته بطلة “كود باي لينين”، الشيوعية التي استيقظت من “الكوما” ولم تجد جدار برلين…
قبل ثلاثين عاما، وضع مهندس شاب في جنيف على طاولة رئيسه المباشر مشروعا لتسهيل التواصل بين علماء “المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية” تحت عنوان: “تدبير المعلومات – اقتراح”. المسؤول اعتبر المشروع “فضفاضا، ولكنه مثير”، وأعطى موافقته على الفكرة… دون أن يعرف أنه يوقع شهادة ميلاد أحد أهم الاختراعات في تاريخ البشرية: “شبكة الإنترنيت”. شبكة التواصل بين علماء المنظمة النووية توسعت بسرعة وتنافست الشركات في الاستفادة من الأسوق الواسعة التي فتحتها في وجه المستثمرين. اختراع أعاد تعريف المسافة، وغيّر وجه العالم، كما غيرته ثورة النار والبخاروالكهرباء.
قبل ثلاثين عاما، سقطنا في “الشبكة”، وأصبح العالم ينقسم إلى “فسطاطين”: حقيقي وافتراضي، يعيش فيه الملايين من سكان الكوكب، بعادات وأحلام وأوهام واستيهامات. إيميلات عابرة للقارات، ورسائل غير متوقعة، من أشخاص لا تعرفهم، وثرثرة لا تتوقف على مواقع التواصل الاجتماعي. “فيسبوك” و”توتير” و”غوغل” و”يوتيوب” و”أنستغرام” و”واتساب”… الإنترنيت ومشتقاته أعادوا رسم الخرائط والحدود، وبعثروا المسافة والجغرافيا، وقلبوا حياتنا رأسا على عقب. مات عصر وولد عصر وتغيرت المفاهيم والشعارات، وأصبح محترفو “التواصل” و”التكنولوجيات الحديثة” يتربعون على عرش إمبراطوريات مالية مخيفة، تفوقت على أكبر الشركات الصناعية والزراعية…
خلال بضع سنوات، سيصعب على الأجيال القادمة أن تتخيل كيف كان “الإنسان القديم” يكتب الرسائل بقلم أزرق ويضعها في ظرف أصفر قبل أن يتوجه إلى مبنى البريد كي يلصق عليها طابعا بريديا ويضعها في صندوق. قريبا، سنصبح نحن المخضرمون الذين عاشوا عصر ما قبل الإنترنيت، أقلية تستدعي الفضول والتكريم، مثل من شاركوا في الحرب العالمية الأولى!

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.