الدخول الاقتصادي

17 سبتمبر 2018 - 14:08

“لا سلطان بلا جند، ولا جند إلا بالمال، ولا مال إلا بجباية، ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل، فالعدل أساس الجميع”.

الحسن اليوسي

بين الدخول المدرسي والدخول السياسي كثير من أوجه التشابه، رغم أن الدخول المدرسي على الأقل، يحاول التلاميذ خلاله جاهدين صنع الابتسامة على محيى آبائهم، أما الدخول السياسي فمنذ الوهلة الأولى تبدو 
الكآبة والفشل مسيطرين عليه.

فدخول هذه السنة يتميز بأزمة بين مكونات الأغلبية، وبانتقادات شعبية لاذعة وساخرة لاختيارات الحكومة في مجال التعليم، وكأن من قدر هذه 
الحكومة التماهي مع الفشل.

أما البرلمانيون فسيدخلون إلى البرلمان، وأول ما سيناقشونه هو القانون المالي لسنة 2019، الذي يأتي هذه السنة في ظل وضع اقتصادي صعب وثقل كبير تعانيه الميزانية العامة جراء المديونية الداخلية والخارجية، ثم وزيرا لا علاقة له بالميزانية سيدافع عن ميزانية سابقه، وكأن عجز هذه الحكومة جعل القدر 
السياسي يستجمع قواه ضدها.

هذا، وقد فاجأني كثيرا استقبال السيد رئيس الحكومة لرئيس الباطرونا، ويبدو أن هذا الأخير قد اطلع على الميزانية حتى قبل اطلاع ممثلي الأمة على مضمونها، لذلك حدد موقفه منها دون علم الآخرين، ليقدم لرئيس الحكومة طلبات رجال الأعمال من أجل تغيير بعض مضامينها دون مراعاة القنوات التشريعية واحترام الزمن السياسي لذلك، وهذا ليس غريبا على وزير اقتصاد ومالية سابق، فشل في الحكومة وفي السياسة، وحتى في إدارة حزب، بل كما سقط هناك بواسطة مظلة، خرج منها بالمظلة نفسها، قبل أن يسقط مرة أخرى وبالصدفة فوق بيت رجال المال والأعمال هذه المرة، لذلك سينقل لا محالة أزمته إن لم نقل فشله إلى رجال الأعمال، لأن أزمة الباطرونا باتت واضحة جدا، فالشركات الوطنية المعول عليها لحمل ضغط الاقتصاد الوطني تعاني من الاختناق، ليس بسبب الأزمة الاقتصادية الدولية فحسب، ولكن كذلك بسبب ضغط التنظيم الإداري البيروقراطي للحكومة وانعدام الرؤية لديها، الأمر الذي جعل رجال الأعمال يدخلون في مناوشات مع السياسي، أو يغرقون في بيروقراطية الوزارات والإدارات وينسون التفكير في قضايا السوق، فتجد مدراء الشركات يغرقون في البحث عن حلول للضغط الضريبي أو لتعبئة أوراق إدارية لا طائل من ورائها، ليتركوا الأهم وهو تطوير الإنتاج والانخراط في السوق. إن بلادنا تحتاج اليوم، إلى الحد من هذه البيروقراطية التي تكبل تنظيمنا الاقتصادي، ولأن الدولة أكبر مستثمر ومشغل، فإن الحكومة ملزمة بالبحث عن رؤى استشرافية للمستقبل، والصرامة في إدارة المال العام، أما استمرار الحكومة في إدارة أمور الدولة بالشكل التقليدي وبأساليب تقليدية، بخلق لجان والاختباء وراء القوانين والمراسيم، فإن ذلك لن يزيد الوضع إلا سوءا، لذلك، حان الوقت للتفكير عاجلا في تقسيم المهام بين الدولة ككل والمجتمع اقتصاديا، حتى يقوم كل واحد بوظيفته.

إن ضعف الحكومة أمام ضغط الأزمة الاقتصادية، جعلها تتجه إلى إلغاء كل ما هو إنساني في الاقتصاد، من تقليص خدمات صندوق المقاصة، إلى الرفع من الأسعار وضرب القدرة الشرائية للمواطنين، وذلك للحفاظ على التوازنات المالية للميزانية العامة، وحينما يصبح الاقتصاد همه الأساسي هو إنقاذ التوازنات على حساب الإنسان وحقوقه، فسيصبح هذا الأخير عبدا يعيش تحت وطأة أرقام تبحث عن صيغ لاستمراريتها وبقائها، أو فقط، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كان الموضوع يهم الأرقام أكثر ما يهم الإنسان. إن جل المهتمين الاقتصاديين ينبهوننا بكون ميزانية السنة المقبلة، ستضرب ما تبقى من إنسانية المواطن المغربي اقتصاديا، بدعوى إنقاذ الاقتصاد الوطني، أو بمبرر أننا نعيش أزمة اقتصادية صنعها الغير، في حين هم من يعمقونها بهذه السياسة المالية المعتمدة التي تجعل المواطن خارج أهدافها، علما أنه لا ميزانية ناجحة إلا إذا كان المواطن محور مكوناتها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.