دروس روتينية من حملة صغيرة

20 سبتمبر 2018 - 10:08

تمنحنا الانتخابات الجزئية عادة، صورة مسبقة عما يمكن أن يحدث في الانتخابات العامة الموالية، فهي تلخص في تركيب سريع، التناقضات التي أظهرتها نتائج الانتخابات العامة، وتبشر بتغييرها على نحو ديالكتيكي.

تجري حاليا، حملة للانتخابات الجزئية في دائرة المضيق-الفنيدق، المنطقة التي يفضل الملك محمد السادس أن يقضي فيها عطلته الصيفية. النائب البرلماني الذي يعاد التنافس على مقعده وهو من التجمع الوطني للأحرار، أسقطته المحكمة الدستورية بسبب صورة تجمع بالملك نشرها على حسابه في فايسبوك في آخر يوم من حملته الانتخابية قبل عام. صاحب الطعن كان هو مرشح حزب الأصالة والمعاصرة.

إلى حدود هذه التفاصيل، تبدو الأمور طبيعية، لكنها سرعان ما تنهار. حزب الأصالة والمعاصرة قرر فجأة، وتحت وطأة الخلافات بين أعضائه حول المرشح المناسب – الذي لم يتغير على كل حال منذ عشر سنوات- ألا يزكي أحدا، وترك لمنتسبيه تدبير قرار عدم المشاركة، وهذه عبارة أخاذة، لأن كل ما تفعله في الواقع هو أن تفتح الباب على مصراعيه لولوج الأعمال غير المنطقية بتاتا بالنسبة إلى الحس السياسي.

وفي هذه الدائرة التي عرف تاريخ الاقتراع فيها أدنى مستويات المشاركة، كان تدبير عدم المشاركة بالنسبة إلى حزب “البام” بعدما أطاح بالأحرار، هو أن يساعد المطاح به على استرجاع مقعده. صحوة مفاجئة للضمير السياسي! يحدث مثل هذا في كثير من الحالات الانتخابية في البلاد، وتقدم التبريرات دون توقف، لكنها تفتقد للمصداقية على كل حال.

تقدم هذه الطريقة في تدبير القرار السياسي الهزة النفسية التي يُعتقد أن الناخبين في حاجة إليها لحسم اتجاهات التصويت عندهم. إن الناس الذين يلحظون الطريقة التي يستسلم بها المنافسون البارزون لبعضهم البعض، يميلون إلى الإقرار بشكل داخلي إلى أن النتائج قد حسمت. ويبدو أن هذه العملية السيكولوجية البسيطة تحقق أثرها بنجاح.

الخطط والتكتيكات النفسية عناصر ضرورية لتحقيق النجاحات السياسية، وفي بعض المعارك الانتخابية لا يظهر أن للناس ذاكرة متينة تحفظ مثل هذه الطرق الملتوية للأشخاص الذين طالما قدموا أنفسهم كبدلاء عما هو متاح أمامهم، أو مفروض عليهم بطريقة أو بأخرى.

ولئن كان حزبا البام والأحرار قد جعلا من هذه العملية الانتخابية مجرد إهدار للزمن السياسي، فإن آخرين يحاولون أن يجعلوها فرصة لإثبات الذات. حزب العدالة والتنمية على سبيل المثال، الذي يقاوم تدهور شعبيته منذ 2016، رشح شخصا لم يكن يضعه في الحسبان، وعلى ما يبدو، فإن سلة مرشحيه القادرين على تحقيق نتائج جيدة، قد تضاءلت. ومع ذلك، فقد أظهر المسح الذي أجري للمهرجانات التي أقامها هذا الحزب هناك لقياس شعبيته، بأن عملا كبيرا مازال ينتظره لجعل النتائج لصالحه. وقاومت تيارات غير محددة التعريف هناك، كل إمكانات هذا الحزب في الظهور وكأنه لم يتضرر من السحق السياسي الذي تعرض له منذ سنتين. وقد جرب أولئك بعض الطرق التقليدية كالمسيرات المفبركة، في وقت كان يندد عزيز الرباح من على منصة هناك بمقاومة الإصلاح.

يعاني البيجيدي من مشاكله الخاصة. فمرشحوه مشغولون أكثر بإقناع الناخبين بأن مأزق حزبهم في الرباط لا يجب أن يؤثر على مزايا التصويت على مرشح منه في إقليم هامشي. لكن الناس يبدون مستغرقين أكثر في التفكير في ما إذا كان مرشح حزب عاجز مركزيا، يستطيع مساعدة منطقته. هذه مشكلة يفهمها أولئك السياسيون الذين يجدون أنفسهم في مواجهة الناس كل مرة، لا أولئك الذين يكتفون بالتخطيط داخل مكاتبهم المكيفة.

وبالطبع، بين هذين الطرفين، يبزغ “الحل الثالث”، الذي مازال يراوح مكانه في تثبيت شعبيته بين الناس. تحاول فيدرالية اليسار الديمقراطي أن تقدم للناس بديلا. لكن حزبا يفتقد للإمكانيات الهائلة التي تتطلبها معركة انتخابية شاسعة، أو لمرشحين ذوي عمق جماهيري، ومسنودين بأعمال وظيفية، غالبا ما لا يستطيع إحراز تقدم في النتائج. تلك هي مشكلة الفيدرالية على الدوام.

تشكل الانتخابات الجزئية التي ستجرى الجمعة هناك، نافذة تلصص صغيرة على ما سيحدث لاحقا في الانتخابات العامة. إن حزب الأحرار الواثق من مقدرة مرشحه على استرجاع مقعده، و”البام” المتخاذل والفاقد لأي ثقة في نفسه، والبيجيدي المنهك من الجراح المركزية، والفيدرالية المثقلة بميراث سياسي متبرم، كلها عناصر تدمير سياسية تجعل الناخبين مُنقادين إلى الوجهة التي لا يظهر أن عقولهم تريدها. إن أسوأ ما يحدث في الانتخابات هو الافتقاد المطلق للثقة في مقاومة أي شيء، سواء أكان مرشحا لا قيمة له، أو حزبا لا أمل فيه، أو وضعا سياسيا لا منطق فيه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.