إعلام الغاب..

20/09/2018 - 10:44

يحار المرء أحيانا في مواقف المغاربة. يقارن بين نفسه، فهو مغربيّ بدوره، وبين البقيّة، بقية قومه، ثم يحكم بناء على مدى اتساع المسافة الفاصلة بين ذاته والآخر. وهي مهمة شاقة. فالآخر هنا آخر قريب. آخر يشترك معك في ذات جامعة. أنت مغربي وهو مغربي. لا تدري ماذا يحصل لهذه الذات. تقول في نفسك مثلا: لو صادفتُ إنسانا يعاني اضطرابات نفسية ويهيم في الشوارع، في داخله لوعة ما، شيء ما منكسر، صدمة قوية أخرجته عن سابق عهده، هل أطلب منه، في وجعه هذا، تصريحا إعلاميّا؟ هل أضع مايكروفون عنق في مفرق قميصه، وأقول له تحدث؟ ثم أتلذذ والرجل يجيب بكلام متذبذب يدلّ على مأساته، فأطلب منه المزيد؟؟ أيصح أن أتقرّب به إلى جمهور يوتيوب ورئيس الشركة الإعلامية؟؟ وأجعل من هذا الهائم بين الدروب الخبر الذي أسدد به نفقات الكراء؟ هل المكان الطبيعي لشخص مماثل هو مصحة للطب النفسي أم قنوات يوتيوب؟ وهل يُعد في كامل استوائه النفسي والعاطفي، وربما العقلي وهو يوافق على إعطاء تصريح؟ ما هذا التوحش الإعلامي السافر المغلف في ثوب « قصص إنسانية مؤثرة »؟ هل كل شيء قابل للافتراس والنشر؟ أي شيء.

نحن ننتقد الإعلام الرسمي حين يسجل الفقراء يشكرون موزعي القفة وأولياء النعمة، ونراه عملا يتنافى مع مبادئ الكرامة الإنسانية، ثم يخرج لك إعلام يسجل الإنسان في أوج محنته وأشد أزمته متذرعا بمقولات زائفة. ما الذي يجري؟؟ وكيف يقبل المغاربة، بعض المغاربة، بمثل هذا التخلف؟ ترى أحيانا أسرة تبسط لسانها لإعلام بلا أخلاقيات، عوض حماية أفرادها من مخالبه. لا يمكن السماح بتحويل كل شيء إلى أخبار ومقاطع فيديو.

سجّل هذا يغرق، سجّل جثة تطفو في الماء، سجّل وجها نازفا بالدماء، سجل فلان فقد عقله، سجّل هذه تتعرّى بباب نادي ليلي، سجّل هذا طفل يرقص رقص الفتيات، هذا يقول طلاسم غير مفهومة، سجله وإن يكن! هذا ليس إعلاما. هذا توحش. لا زاوية معالجة، لا مبرر مهني، لا سياق، لا تقرير خبري متكامل، لا عمل مهني، لا شيء. كاميرا في اليد ومستوى معرفي ضحل وعلاقات مع بعض الجهات، وها هي آلة التوحش تطحن كل شاردة وواردة في طريقها. ومواقف المغاربة محيّرة. خسرتُ كثيرا من الأصدقاء بسبب ردود فعلي غير المتسامحة إزاء توصلي بفيديوهات سمجة وضحلة على واتساب. أقوم في مرحلة أولى بتنبيه ودّي لهذا الصديق أو ذاك أنه ربما لا يليق بي وبك تشاطر مثل هذا التخلف. في حالة « العود »، أجمّد حساب الصديق، لأن الحياة أقصر من أن يمضيها المرء في تبادل التخلف، والعقل أشرف من أن يُملأ بالمتردية والنطيحة. البعض يتفهم ويقتنع والبعض لا يعي أنه يقوم بعملية تسطيح ذاتي لوعيه.

هذا المقال لن يقترح حلا سياسيا للقضية. لأن المؤسسات الإعلامية الجادة دائما تدفع الضريبة حين يتعلق الأمر بحل سياسي أي بإدخال تعديلات على قانون النشر أو اختراع قانون جديد. ومناخ الحريات الحالي يقتضي الدفع بحل تربوي تحسيسي. وهذا حل يتوجه إلى المجتمع لا إلى السلطة، بدءا بحرص كل فرد على حقه وحق ذويه في الصورة، خاصة في حالات الضعف والعجز والاضطراب، ومرورا ببذل جهد شخصي في تصفية « واردات وصادرات » « واتساب » من الشوائب، والاشتراك في قنوات رفيعة المحتوى في يوتيوب حسب الميل (أخبار- موسيقى- وثائقيات- طبخ..) عبر حسابه في بريد Gmail، المهم أن تكون قنوات رفيعة المحتوى، مما يحد من تدفق البلاهة. ثم لنعد للكتاب، ولو صفحة، خير من كل هذه الرداءة..

شارك المقال