لا أحد يثق في أحد..

26 سبتمبر 2018 - 13:05

حتى الملك أصبح يعرف أن المغاربة فقدوا الثقة في الجميع. لنتأمل ما حكاه سعد الدين العثماني لأعضاء المجلس الوطني لحزبه. فبعد إعفاء محمد بوسعيد، اقترح رئيس الحكومة على الملك اسمين لمنصب وزير الاقتصاد والمالية، الأول من البيجيدي هو عبدالقادر اعمارة، والثاني من حزب آخر (الأحرار بلا شك). أجابه الملك: “إذا أنا اخترت الاسم الثاني سيقولون اخترته من الحزب ديالي، وأنا ليس لديّ حزب”. رد العثماني:” نحن أيضا حزبك”، فاستدرك الملك: “بالتأكيد وأنا أقول ذلك أيضا”، وطلب منه أن يخبر أعضاء حزبه بأنه يعتبر البيجيدي أيضا حزبا من أحزابه.

العثماني، وبدل أن يقف عند حدود كلام الملك (أنا لا حزب لي) أو يتفاعل معه دستوريا: “نعم، سيدي أعزك الله. أنت لا حزب لك، ولا ينبغي أن تكون لك أحزاب، ويجب تصحيح كثير من الانحرافات الصادرة عن السلطة، والتي توحي بأنك منحاز إلى هذا الحزب أو ذاك، وهذا يسيء إليك وإلى الأحزاب”، فإنه جر الملك إلى مجاملة ناقضَت موقفه الدستوري الأول، حين قال: “حتى حنا حزب ديالك”، فما كان من الملك إلا أن رد على المجاملة بأحسن منها: “بالتأكيد وأنا أقول ذلك أيضا”.

العثماني، وهو يخبر أعضاء حزبه بهذه الواقعة، هل كان يجهل أن كثيرا من القرارات السياسية في المغرب تُتخذ من وراء الدستور وفوقه. وأنه لازال لدينا من يعتبر تشريعا كل ما يصدر عن الملك من خطب وإشارات وعبارات مجاملة قد تكون عفوية ودون سابق نية أو تخطيط، كما حدث في هذا الصدد مع العثماني. فلماذا هذه الزيادة في العلم، والتي لن تزيد إلا في تبديد الثقة في الأحزاب التي لا قيمة لها ولا حاجة إليها، إذا كانت ستطبق برنامج الملك وستتنازل عن صلاحياتها الدستورية؟ ألن يكون حينئذ عمال صاحب الجلالة في الأقاليم أجدى نفعا وأقل تكلفة من منتخبين كثير منهم جشعون وشبه أميين؟ هذه القناعة التي كانت سائدة وسط الطبقات الشعبية المسحوقة، زحفت، مؤخرا، على جزء كبير من الطبقة الوسطى المتعلمة. وللتذكير، فالمسافة نحو اللادولة تبتدئ بخطوة فقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

لننصت إلى التقرير السنوي، الأخير، للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فقد تكررت فيه عبارة الثقة أربع مرات: أولاها، “تراجع على مستوى الثقة في المؤسسات”. ثانيا، “انعدام الثقة في إرادة توطيد دولة القانون”. ثالثا، “شرائح واسعة من المغاربة تفقد الثقة، كما تفقد الأمل في القدرة على بلوغ مستوى عيش أفضل”. رابعا وأخيرا، قدم التقرير توصية بضرورة “تعزيز الحكامة من أجل استعادة ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات والسياسات العمومية على الحد من حجم الفوارق”.

تعالوا نرى، أيضا، كيف خرج رشيد الطالبي العلمي، نهاية الأسبوع المنصرم، موجها تهما خطيرة إلى الحزب الذي يقوده رئيسه في الحكومة. اتهمه بالتشكيك في المؤسسات الدستورية وتخريب البلاد والسعي إلى وضع اليد عليها. العثماني طبعا، لن يقوى على ترك أعضاء حزبه يتصدون لوزيره في الشباب والرياضة، بله أن يتجرأ ويطلب من الملك إعفاءه. كما لا يبدو أن النيابة العامة ستفتح تحقيقا في هذه الاتهامات التي لا تقل خطورة عن اتهامات السيسي لرئيسه مرسي وجماعته. فكيف يثق المغاربة في حكومة ملوك الطوائف هذه؟ بل كيف يثق حتى أولئك الشباب الذين تم حشدهم في ملتقى شبيبة التجمع الوطني للأحرار بمراكش، في المشروع الذي جاء أخنوش والطالبي العلمي يبشران به في 2021، وهم يرون وزير الشباب، وبدل أن يقدم تصورا عقلانيا ليبراليا للتصدي لـ”المشروع التخريبي” لإخوان العثماني، يتوسل فكرا خرافيا، وهو يقول: إن “تشكيك (البيجيديين) في المؤسسات السياسية والمنتخبين والبرلمان هدفه تخريب البلاد، ليضعوا أيديهم عليها، ونسوا أن البلاد فيها الأولياء الصالحون”، وكأن مولاي إدريس ومولاي عبدالسلام وسيدي بليوط.. سيقفون في صف أخنوش ضد العثماني؟ فأي مشروع حداثي ليبرالي هذا؟

مؤخرا، حكى لي أحد الفاعلين الاقتصاديين البارزين عن لقاء جمعه بمسؤول كبير في الدولة، فسأله عن قضية توفيق بوعشرين، فأجاب المسؤول إنها معروضة أمام القضاء، فقال الفاعل الاقتصادي: إن أغلب المغاربة لا يثقون في الرواية الرسمية، فأجاب المسؤول الكبير: نحن لا تهمنا ثقة الناس. فتابع الفاعل الاقتصادي، ولكن انعدام ثقة الناس في الأمن والقضاء تؤثر سلبا في المستثمرين المغاربة والأجانب الذين لم يعودوا مطمئنين على حميميتهم، في بلد لا يثق مواطنوه في مؤسساته! .

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.