أنهت بضع أعيرة نار أسطورة «الفانتوم». البحرية الملكية وهي تعترض قاربا سريعا على متنه ما يبدو أنهم مرشحون للهجرة غير القانونية، وضعت الحد الضروري للانقلاب على قواعد العمل بمضيق جبل طارق. الحصيلة كانت ثقيلة بالطبع، وتطرح للمناقشة الكيفيات التي يتم بها تنفيذ عمليات المناورة لاعتراض قارب دخيل.  لكن من دون شك، بالنسبة إلي على الأقل، فقد كانت الخسارة في الأرواح ضحية جانبية لمعركة كانت تخسرها البلاد يوما بعد يوم.

«الفانتوم» في الواقع، ليس قارب نجاة، والمهربون ليسوا أعضاء في جمعية خيرية ينقلون الناس بشكل مجاني، رأفة بهم، بين ضفتي مضيق جبل طارق. هؤلاء مهربو مخدرات خطرون للغاية، أصاب الكساد سلعتهم، وهم يستثمرون الفرصة فقط، لإغناء مواردهم.

أطلت هذه الفرصة منذ أن لاحت مظاهر نزوح كثيف لشباب منطقة الريف نحو إسبانيا باستعمال قوارب تقليدية. الشعور بالضيق دفع بآلاف من الشباب إلى بعث حلم الهجرة مرة جديدة، ومهربو المخدرات الذين راكموا الخسائر بسبب مراقبة السلطات المشددة، قرروا أن يحصلوا على قطعة من الأرباح التي تولدها هذه التجارة المزدهرة. دعونا من الأفكار البائسة حول وجود مركب مصالح بينية سمحت الحكومات بمقتضاه بجعل الحدود البحرية فضاء مفتوحا للنازحين. كلا، إن الأمر كان واضحا منذ بدايته، إن شبكات تهريب المخدرات على قدر عال من الذكاء، جعلت الجميع يصدق أسطورة القارب الذي يقدم تذاكر سفر مجانية للحالمين بالهجرة.  وهذه خدعة دعائية بإخراج مسرحي محبوك.

كلمة الشبح، وهي الترجمة الحرفية لقارب «الفانتوم»، ليس هو القارب في حد ذاته، ولكنه السياسات العامة المتخاذلة في البلاد.  لكل حالم بالهجرة شبح يوقظه بجزع من نومه. الشعور بالضيق ليس حالة نفسية شاردة، وإنما هو وليد حاجة حيوية لم توضع بعين الاعتبار لدى الحكومات. إن الشبح الذي يطل برأسه على القوم ليس هو ذلك القارب المنفلت من رقابة السلطات، بل هو المستقبل الغامض الذي يلوح في الأفق مثل غسق مبتل بدماء كتلك التي سالت على قارب «الفانتوم».

2

الشباب المغامر بأرواحه في مسارات الهجرة غير القانونية، سيجد في امحند لعنصر، الأمين العام الحالي لحزب الحركة الشعبية (إحدى أبرز التشكيلات السياسية)، دليلا يقوي عزيمته دون شك على الرحيل. الرجل تسلم زعامة حزب قدمته إليه وزارة الداخلية قبل 32 عاما على طبق من ذهب، ولم يتزحزح عنه منذ ذلك الحين. غالبية الصحافيين الحاليين ولدوا بعد توليه منصبه، ولم يعرفوا أحدا آخر غيره. جدد لنفسه ثماني مرات أو تسع، وفي الحقيقة، القليلون من يستطيعون عد الولايات التي حكم بها العنصر حزبه.

لكن، من يهتم بالحركة الشعبية؟! لم يؤسس هذا الحزب كي يكون هيئة ديمقراطية، ولم يتجمع الناس حوله -أعيانا وباحثين عن الريع-  لأنه يكرس تقاليد عريقة في التداول على السلطة. لا يفهم الحركيون ما تعنيه القيم السياسية، فحزبهم مجرد بندول يتحرك دون هدف محدد. وإذا كان هناك حزب حُق له أن يفخر بأنه لا يمارس السياسة، فهو حزب الحركة الشعبية نفسه. ذات مرة، قال لي مسؤول حزب ذي تمثيلية أصغر بحوالي النصف من الحركة الشعبية، بأن «الأطراف الرئيسة في الحكومة لا تقيم وزنا للحركة الشعبية.. قد يؤخذ برأي حزب التقدم والاشتراكية، فيما تكتفي الحركة الشعبية بإيماءة بالرأس دليلا على الموافقة».

في مؤتمر للحزب عام 2010، نودي على عبد الإله بنكيران، وكان أمينا عاما للبيجيدي كي يلقي خطابا، فقدم قائمة لما سماه أحزابا وطنية بينها الحركة الشعبية. وقف امحند العنصر يصفق كما فعلت جماهيره. لكن في اليوم الموالي، بعث العنصر بيانا يندد فيه بخطاب بنكيران، فقط لأنه لم يضع حزب الأصالة والمعاصرة ضمن الأحزاب الوطنية.

لا أحد يطلب من حزب الحركة الشعبية أن يكون ضد طبيعته التي ولد بها دون أن يكون يوما صفحة بيضاء. إن العنصر وهو يرشح نفسه لخلافة نفسه مرة ثامنة أو تاسعة، إنما هو في الواقع يذكر بالحقيقة المجردة في الوثائق الضمنية لحزبه، حيث لا شيء عندهم كما هو عند الأحزاب الأخرى. إنهم مختلفون، وكأنهم والعدم سيان.. «شبح» بشكل ما.

3

إذا كان العنصر يقود حزبا «ميتا» باستماتة، وباستسلام أيضا، فإن آخرين يقودون كل شيء آخر إلى الانهيار. وزير في الحكومة، اسمه رشيد الطالبي علمي، رجل مركزي في كتيبة عزيز أخنوش، والرقم واحد في تنظيمه الحزبي، أعلن دون مواربة بأن «البيجيدي» قاد مشروعا تخريبيا للدولة في المغرب.

الطالبي علمي كشخص يدور في الكواليس أكثر من أي شيء آخر، يخطئ دائما عندما يتحدث علنا، فربما شروط الصراحة لا تلائمه، أو ربما باعتباره داهية قومه «الأحرار»، يفعل ما ليس بمقدور آخرين أن يفعلوه.  ثم تبدأ المشاكل، لكن لم يحدث يوما أن وجد الطالبي نفسه في المتاعب، فهو محمي جيدا. هذه الجملة الأخيرة هي الخلاصة النهائية التي تبدت للقيادة «المتنورة» لحزب البيجيدي. لقد فضلوا ألا يبتعدوا كثيرا في مطالبهم، إنهم مرتاحون أكثر إلى الجدل السوفسطائي في هذه القضية. وقد أصبحت هذه عادة عندهم منذ ثلاث سنوات، وهم يواجهون «أشباحـهم».

شارك المقال