تعذيب بوعشرين..

14/10/2018 - 13:18

«يبدو أن ‘‘للي كيميزي’’ قد عرف أي ماركة من المحامين تليق بالترافع في هذا الملف، الذي تأكد أن الغرض من فتحه هو التنكيل والتشهير بتوفيق وعشرين. فأغلب هؤلاء –باستثناء الأستاذ كروط- معروفون بضعفهم القانوني، والتعاقد معهم كان على أساسين؛ استفزاز بوعشرين وتعذيبه نفسيا داخل قاعة المحكمة، والتشويش على الرأي العام خارجها. ولعلك ترى كيف أنهم يغادرون قاعة المحكمة لإعطاء تصريحات للصحافيين أكثر مما يغادرونها إلى المرحاض». هذا الكلام قاله لي، حديثا، محام معروف بنزاهته، ولا علاقة له بأطراف القضية. أستحضره الآن وأنا أرى دفاع توفيق بوعشرين يتقدم بشكاية بالتعذيب ضد نائب الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، جاء فيها أنه «يتعرض لمعاملة مهينة وقاسية ولاإنسانية تهدف، أثناء محاكمته، إلى التأثير على إدراكه، وتعمل على تغيير سلوكه أثناء مثوله أمام هيئة الحكم في قضيته، وذلك بهدف الحصول على اعترافات قضائية بجرائم لم يرتكبها. وحيث إن هذه الأفعال يقوم بها السادة المحامون الآتية أسماؤهم: محمد الهيني والحبيب حاجي وامبارك المسكيني وجواد بنجلون التويمي وأمينة الطالبي وعبد الفتاح زهراش، وذلك بدعوى أنهم يترافعون لفائدة المطالبات بالحق المدني في قضيته، فيُمعنون في تحقير الصحافي، توفيق بوعشرين، عبر كيل الشتائم والسباب والإهانة له، بشكل متكرر في جو من التهديد والصراخ والسخرية. وحيث إن كل هذا يصاحبه نوع من التشفي والاستهزاء بهدف خلق إحساس لدى الصحافي توفيق بوعشرين بأنه لا جدوى من دفاعه عن نفسه، وبأنه مدان قبل صدور حكم الهيئة في حقه، وحيث إن هذه الأفعال تقع دائما أمام السيد جمال الزنوري، نائب الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وبحضوره، وذلك إما بموافقة صريحة منه أو بسكوت متواطئ من لدنه…».

عندما قرأت نص هذه الشكاية، ضحكت، وشر البلية ما يُضحك، ثم قلت: لولا يقيني بأن جليسي المحترم بعيد كليا عن القضية، لقلت إنه هو من كتبها. فعندما وصلت إلى فقرة في الشكاية تقول إن أحد هؤلاء المحامين تطاول على الحقوقي الكبير، الأستاذ عبد العزيز النويضي، بالقول: «لقد اندس هذا الشخص.. لكن سرية الجلسة جعلته خارج القاعة»، تذكرت ما قاله جليسي: «إن شخصا ينتمي إلى تيار بنعتيق، الذي خرج من اتحاد عبد الرحمان اليوسفي ووصفه بأنه غير ديمقراطي، ثم عاد إلى اتحاد إدريس شكر ووصفه بالحزب الديمقراطي، هو شخص يجوز له أن يقول ما يشاء، لأنه مجرح فيه أخلاقيا وحقوقيا وسياسيا، وبالتالي، فتهجمه على الأستاذ النويضي، الذي كان مستشارا لليوسفي، أمرٌ عاديّ من أمثال هذه «الماركة»، أو من «الماركة» الأخرى التي قفز صاحبها من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وحزب الطليعة إلى البام، ومن البام إلى الحركة الشعبية، ومن الحركة إلى اتحاد إدريس لشكر، والله أعلم بالدكان الذي سيقفز إليه مستقبلا». وعلق جليسي على ذلك بالقول: «شخص مثل هذا لا مصداقية له حتى وسط الأحزاب الإدارية، فكيف تُصدق الحركة الحقوقية والقوى الحية بالبلاد أنه يترافع بشكل مبدئي في هذا الملف، وبالتالي، فرهان ‘‘للي كيميزي’’ عليه وعلى أقرانه هو رهان على أحصنة خاسرة لا تحسن غير الصهيل وإثارة الغبار». لنعد إلى موضوع الشكاية، ونتساءل: هل ما يتعرض له بوعشرين من طرف هذه العينة من المحامين، وبموافقة صريحة أو سكوت متواطئ من النيابة العامة -حسب الشكاية- تعذيب؟ يقول الدكتور هرنان رييس، المسؤول في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن ممارسة التعذيب خلال الاستجواب، غالبا ما تعتمد التقنيات التي لا تؤذي الجسد أو لا تسبب الألم الجسدي، ولكن تلك التي تؤدي إلى حصول الألم النفسي الشديد والضيق النفسي، وبشكل أساسي تؤدي إلى إحداث تأثيرات قوية على القدرات الإدراكية وعلى عناصر الشخصية. فالعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، والحرمان من الأكل ليسا سوى مثالين عن هذه الأساليب من التعذيب النفسي والأساليب النفسية، والتي قد لن تبدو بمثابة تعذيب إلا عند الانتباه إلى تطبيقها بالتزامن مع تقنيات أخرى و/أو لفترات طويلة من الزمن. في كثير من الأحيان، لا يمكن فصل هذه الطرق النفسية عن مجمل عملية التعذيب، التي تشكل «سياقًا عامًا» للمضايقات والإكراه، لذلك، يجب اعتبار عامل «التراكم بمرور الوقت» جزءًا من نظام التعذيب النفسي.

ويتحدث الدكتور هرنان رييس عن «طرق يمكن وصفها بأنها «بسيطة» أو «غير ضارة»، ومع ذلك، يمكن أن تصبح قسرية إذا استخدمت لفترات طويلة، مثل: الصراخ المستمر، الشتائم، التخويف، إهانة شرف أحد أفراد الأسرة…

وحسب ما هو مضمن في محاضر جلسات محاكمة توفيق بوعشرين، فلطالما نعته أحد المحامين بأن الحيوانات أحسن منه، وأنه مجرم، وأن سلوكه متوحش، كما قال عنه محامٍ آخر إنه شاذ جنسيا ووحش. أما المحامية ذات الصوت إياه، فزعيقها يسمع من شارع الجيش الملكي. وإذا أضفنا إلى هذا وذاك أن بوعشرين حُرم عدة مرات من الأكل، آخرها خلال جلسة 8 أكتوبر الجاري، عندما لم يتناول وجباته حتى الساعة الثامنة والنصف مساءً، وهو المصاب بالسكري، فإن ذلك يؤكد أن الرجل يُساق إلى الحكم منهوكا جسديا ومدمرا نفسيا ومقتولا رمزيا من لدن آلة التشهير الجبارة، التي لا نعرف أيضا «شكون كيميزي ليها»، بتعبير صديقنا المحامي النزيه.

شارك المقال