الديمقراطية ودولة الأحزاب

15/10/2018 - 14:33

كانت الأحزاب دائما على رأس المتهمين بالمسؤولية عن الوضعية التي وصلتها بلادنا، وهو قد لا يكون القصد المسؤولية المباشرة، ولكن المسؤولية غير المباشرة.. لكن ما هي حدود الحقيقة في ذلك؟ علما أن كثيرين ممن يطرحون هذا السؤال، يعلمون يقينا، أن المسؤولية في موقع آخر، وهم يحاسبون الأحزاب بدعوى أنها لا تملك جرأة الخروج من الخطاب المبني للمجهول، ولا تمتلك الجرأة لتسمية الأشياء بمسمياتها، هنا يجب الإقرار بنوع من النقد الذاتي ولو على المستوى الفردي والشخصي، أن الأحزاب التي راهن عليها الشعب المغربي بعد الاستقلال، أساءت التقدير فيما يتعلق بجدية الاختيار الديمقراطي ببلادنا، صحيح أنه يمكن قول ذلك بسهولة اليوم، لكن علينا أن نعترف أن السنوات التي تلت الاستقلال، كانت صعبة ودقيقة في سياق دولي كانت تظهر فيه أنظمة وتختفي أخرى بين ليلة وضحاها، وفي بيئة دولية تعرف انقساما حادا بين الغرب والشرق، وفي ظل انقسام داخلي بين القوى السياسية بين من يسعى إلى إصلاح النظام السياسي، وبين من يسعى إلى إسقاطه وإقامة نظام سياسي جديد، وكانت الأنظمة الجديدة في تلك المرحلة لا تعني سوى الدوران في فلك الاتحاد السوفياتي، على اعتبار أن النظام هنا كان يدور في فلك الغرب، وفي ظل هذا الاختلاف العميق في الرؤية داخل جزء من النخبة السياسية المعارضة، كرس النظام السياسي وجوده، ووظف كل مقدرات البلاد لتثبيت ذلك الوجود، وعطل المؤسسات الدستورية على علاتها لسنوات بين تعطيل مباشر في حالة الاستثناء، وتعطيل غير مباشر من خلال ديمقراطية الواجهة والمس المنتظم بنزاهة الانتخابات، كما خلق لنفسه طبقة سياسية واقتصادية وبيروقراطية تابعة. عموما، كان المخزن يراكم، بينما باقي القوى توجد في حالة صراع بيني، بينها من جهة – والجامعة المغربية شاهدة على فصول من ذلك الصراع- وبينها متفرقة ومنقسمة مع ماكينة المخزن من جهة أخرى. في ظل هذه المواجهة، ظل جزء من النخبة والأطر والطبقة المتوسطة، وبمنطق الربح والخسارة، في خدمة المشروع المخزني، وعدم المغامرة في تعزيز جبهة المعارضة الإصلاحية، ومع التمدد الزمني للصراع مع المخزن دون نتائج، فإن جزءا من نخب المعارضة الإصلاحية وحتى الثورية، تم اختراقها وإدماجها بشكل تدريجي وهادئ على مدى سنوات في هامش الهامش من السلطة، وتدريجيا أخذ الخطاب التبريري يهيمن على التحليل داخل هذه الأحزاب، وفي النهاية قبلت أن تناضل وتتصارع على ذلك الهامش…، النتيجة أنها أصبحت آلية مثالية لتسويق ديمقراطية الواجهة، بل هي أيضا أصبحت صالحة للواجهة، وحتى على هذا المستوى كان للمخزن رأي آخر، فتمت إعادة تنشيط ممارسات من الماضي بخلق أحزاب والنفخ فيها وخلق زعامات من لا شيء، بلا عمق ولا امتداد ولا مشروع سياسي أو اجتماعي، وصنع خرائط سياسية وانتخابية، لهذا لم تعد الأحزاب صالحة حتى لتكون « بارشوك »؛ فما بالك أن تكون وسيط كما تقتضي القواعد الديمقراطية، لماذا؟ لأنه تم إفقادها ما تبقى من مصداقيتها وتم تكرار إهانتها حتى تعودت على ذلك، وهي في كل مرة تتلقى صفعة على الخد الأيمن، تدير الخد الأيسر لتلقي مزيد من الصفعات والإهانات…، دون قدرة على مراجعة اختيارتها – إذا كانت لها اختيارات أصلا- ولا قدرة على قراءة خطورة التطورات التي تعرفها بلادنا، والتي دخلت منذ 2011 منطقة الزلازل السياسية والاجتماعية، وأن الزلزال العظيم مقبل، سواء اليوم أو بعد سنوات، لكن ماذا نفعل حتى نحد من خسائره المدمرة؟؟ أو نجعله بلا أثر عبر بناء ديمقراطي صلب مضاد للزلازل السياسية والاجتماعية…

إن الأحزاب بكثرة الإهانة والتحكم والتقسيم الذي تعرضت وتتعرض له، لم تعد صالحة حتى لتقديمها قربانا لما يجري في البلاد، فهي هزيلة بشكل يصدق فيها القول الدارج المغربي « الضرب في الميت حرام »، وهذا واحد من أسباب تغير لهجة الخطاب نحوها من خطاب العرش إلى افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان… هذا لا يعني أن بلادنا ليست بحاجة إلى أحزاب، بل على العكس من ذلك، وقد يكون حراك الريف آخر إنذار من مخاطر غيابها، فالدولة الديمقراطية هي دولة الأحزاب، وبدون أحزاب لا يمكن الحديث عن الديمقراطية، لكن الأحزاب بحاجة حقيقية إلى ممارسة النقد الذاتي، وذلك لتعزيز قدرتها على الممانعة والمواجهة لكل المشاريع النكوصية، وهذا الأمر حيوي ومصيري بالنسبة إلى بلادنا. الموضوع اليوم المطروح بحدة على بلادنا، هو قطع التردد في قيام الدولة الديمقراطية.. دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، ودعم الأحزاب الحقيقي؛ هو عبر ترك الحياة السياسية تسير بشكل طبيعي، وأساسا، عبر انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية، مع إعادة النظر في الإطار الدستوري بشكل يسمح فعليا بقيام الحكومة كسلطة تنفيذية حقيقية، هنا بالضبط سيتجلى دعم الأحزاب، أما الدعم المادي على أهميته، فيبقى مسألة ثانوية.

شارك المقال