في الأسبوع المقبل سيتم الإعلان عن الفائز بجائزة ساخاروف لحرية الفكر، التي يمنحها البرلمان الأوروبي كل سنة، بعد تصويت يشارك فيه البرلمانيون الأوروبيون المنتمون إلى فرق متنافرة، من أقصى اليمين القومى، لأقصى اليسار الراديكالي. والمغرب الرسمي والمعارض معني بها في هذه السنة الاستثنائية، ليس فقط، بسب وصول القائد الميداني لحراك الريف ناصر الزفزافي إلى المرحلة الإقصائية الأخيرة فقط، بل لِما أثاره هذا الترشيح من جدل. لم يسبق لمرشح مغربي أن وصل إلى المرحلة النهائية من أجل نيل الجائزة، كان هناك ترشيحان سابقان، لم يستطيعا جمع الأربعين توقيعا لدخول المنافسة، الأول كان للراحل وأحد مؤسسي منظمة « إلى الأمام » الماركسية ــ اللينينية « أبراهام السرفاتي »، والثاني في 2014 لمغني الراب والناشط في حركة 20 فبراير « معاذ بلغوات/ الحاقد »، وقد نجحت الدبلوماسية المغربية في منع دخول السرفاتي والحاقد لأطوار المنافسة، مستفيدة من دعم نواب اليمين وجزء من اليسار المحسوب على خط « الديمقراطية الاجتماعية »، ولكن، أساسا، بسبب أن الترشيحين لم يكونا مسنودين سوى بأصوات اليسار الراديكالي الماركسي. أعدت التذكير بهاتين المحطتين لبيان « تهافت التهافت » في ادعاءات من زعموا أن الجائزة « مشبوهة »، ومعروف الفائز بها سلفا، صحيح أنه يمكن التكهن بنسبة كبيرة بالفائز من خلال إحصاء عدد نواب كل كتلة برلمانية، وقراءة الترشيحات على ضوء الكتلة أو التحالف النيابي الأغلبي، وصحيح، كذلك، أن الجائزة لها رهاناتها السياسية، باعتبارها آلية ضغط حقوقي/أخلاقي ليس بيد الاتحاد الأوروبي كمؤسسة « مجردة »، ولكن بيد الحكومات التي تسعى عبر برلمانيين محسوبين عليها، وفي إطار تحالفات « مركبة » إلى تتويج معارض لنظام/نظم ما ليس على وفاق مع هذه الحكومات، أو يراد ابتزازه « أخلاقيا » لتقديم تنازلات ما، لكن أحيانا قد تفرض شخصية ما تتويجها بفضل ثقلها العالمي الذي لا يمكن تجاهله، وإلا سقطت رمزية هذه الجائزة، وتبقى حالة مانديلا دالة، وأحيانا قد تسهم تناقضات في معسكر الأغلبيات، وتماسك في محور الأقلية البرلمانية في فوز من كان مستبعدا فوزه بالنظر إلى موقف الأغلبية النيابية منه، كما حصل في فوز الفلسطيني عزت الغزاوي، الذي كان مرشح الشيوعيين والخضر..
وفي ضوء هذه الحسابات التي يختلط فيها الحقوقي بالسياسي والاقتصادي، يكون للوبيينع الدبلوماسي والحقوقي في آن واحد مجالات للتحرك.. للأسف، فإن النواب المنتصرين لحقوق الإنسان والديمقراطية لا يشكلون الأغلبية، إذ السياسة مصالح لا عواطف.. وعلى ضوء كل هذا يجب أن نقرأ وصول ناصر الزفزافي إلى المرحلة النهائية قبل الإعلان عن النتائج النهائية للتصويت في الأسبوع المقبل..
لقد فشلت الدبلوماسية المغربية في منع وصول ناصر إلى هذه المرحلة، وانتصرت إرادة مناضلين محسوبين على رؤوس الأصابع، اشتغلوا بذكاء ودون كلل، وتعاملوا ببراغماتية يفتقدها للأسف العديد من المناضلين الذين تربوا سياسيا هنا في بيئة لا تعرف غير الطهرانية أو نقيضها الانبطاح..
وفي الوقت الذي كان يجب أن نثمن هذا العمل الجبار والاستثنائي، انبرت قلة لتسفه الجائزة بمبررات تنفض الغبار عن حقبة الحرب الباردة، مبررات كشفت أن بعض اليسار لم يستوعب درس أن جزء من أعطاب اليسار كان في إلحاقيته لنموذج « إمبريالي » سوفياتي لم يكن يختلف عن إمبريالية أمريكا إلا في افتقاره للبروباغندا ووسائل السيطرة على الرأي العام بوسائط ناعمة، ولم تنتبه هذه القلة أن جزءا من مناضلي اليسار المغربي في أوروبا سواء الذين يشتغلون في لجن دعم حراك الريف، أو الذين ينتمون إلى إطارات حقوقية (أصدوم نموذجا)، كان فاعلا في الاتصالات مع البرلمانيين الأوروبيين الذين دعموا ناصر. وأن أغلب الأصوات التي حصل عليها ناصر كانت من نواب اليسار.. لكن للأسف هناك من يعرف تفاصيل ما يقع في ريف إدلب، أكثر مما يقع في الريف المغربي أوفي ارتباط به.
إن وصول ناصر الزفزافي إلى هذه المرحلة دليل أن الورقة الحقوقية التي تراجع دورها بعد صعود تيريزا ماي وترامب وأشباههما في اليمين القومي، لم تفقد كل تأثيرها، وأن التعبئة من أجل فوز ناصر فرض عين، باعتبار رمزية الجائزة وإشعاعها، التي ستكون محرجة للخيار الأمني ولقضاء التعليمات.. وباعتبارها دليلا آخر على براءة معتقلي الحراكات، ودليلا على أن مهندسي هذا الملف فشلوا في إقناع جزء من صناع القرار الأوروبي بروايتهم الأمنية. هامش: كتب السيد ويحمان مقالا في جزئين عن الجائزة، لن أناقش تهافته وتناقضاته ومبالغاته، لكن ليس من الشهامة انتقاد كلام لشخص مثل ناصر تعلم أنه مسلوب الحرية ولن يستطيع الرد عليك في الجريدة التي كتبت فيها، وأذكر السيد ويحمان بمحاضرة للجابري رفض الجواب فيها عن سؤال بخصوص عبدالسلام ياسين وقد كان تحت الحصار، فقال: « ليس من المروءة الخوض في بيان اعتراضاتي على الرجل، مادام لن يستطيع الرد عليّ.. لنطلب له الحرية أولا »…