ربما ليس هناك مسؤول ذو مشاعر باردة أكثر من ربيع لخليع، المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية. المسؤولون الكبار غير المثقلين بأي التزام سياسي، يتحولون بشكل تدريجي إلى موظفين بيروقراطيين ذوي مهارة كبيرة في إبعاد أنفسهم عن أي مسؤولية عن أي شيء. يقال إن مناصب مثل «الرئيس المدير العام» لمؤسسات أو شركات كبيرة لا تعطى سوى للأشخاص الذين بمقدورهم أن يتخذوا القرارات المزعجة، أو أن يوافقوا على القرارات التي يتخذها مجلس الإدارة، ومن المؤكد أن هؤلاء الأشخاص لا يُطلب منهم أن يفهموا الطريقة التفصيلية التي يجري بها العمل في مؤسساتهم.
قد لا يفهم الخليع في أعمال السكك الحديدية أكثر من أي عامل بسيط في مكتبه، لكنه يستطيع أن يوقع على القرارات الاستراتيجية التي غالبا ما لا يفهم هو نفسه كم يبلغ عمقها أو امتدادها الاستراتيجي. لذلك، حافظ على منصبه مدة 15 عاما تقريبا. لكنه، في غالب الظن، يفعل ما هو أكثر من ذلك، وإلا ما كان بإمكانه أن يصمد في مكانه، فيما خدمات مكتبه تتدهور يوما بعد يوم. هناك «حكمة» في مكوث الخليع في منصبه، وهي من الأسرار التي لا يمكن، بأي حال، أن نفهمها نحن معشر الأغبياء الذين يشكون طيلة اليوم من سوء معاملة مكتب عمومي، ثم نستمر عاما كاملا في الجري وراء الحصول على خدماته. القطارات بالمغرب تحولت إلى «مقطورات مقدسة»، تزداد كلفة ركوبها بالنسبة نفسها التي تتسع فوقها علامات الصدأ، ولا يمكن لشكوى أن تصل إلى أبعد من مكتب موظف صغير يسلم وصولات إقرار بالتأخير في المحطات الرئيسة للبلاد.
وبينما يصبح تأخر القطار عادة حميدة في جدول أعمال الـONCF، فإن ما كان ينفع الخليع هو خلو سجله من حوادث مميتة على قدر كبير. إذا لم يقتل أحد من المسافرين في حادث قطار، فإن كل شيء آخر يمكن تفهمه. لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، وحدث ما لم يكن متوقعا؛ قطار سريع ينطلق كالرصاصة فوق سكة متهرئة، فينحرف عن مساره. الحصيلة ثقيلة: 9 قتلى وأزيد من مائة جريح.
ماذا يجب على الخليع أن يفعله الآن؟ إن يديه ملطختان بدماء مسافرين سعوا بكل جهد إلى اللحاق بقطار متأخر تنبعث من داخله جميع أصناف الروائح الكريهة. ومع ذلك، يمكن للخليع أن يغسل يديه دون أي شعور بالذنب، ثم يستمر في عمله. لقد نادى الكثيرون بضرورة إقالته بشكل فوري، لكن الموظفين البيروقراطيين ينجحون دائما في تحويل نظر الجميع عن جوهر القضية إلى قشورها. والقشرة في هذه القضية أن موظفين صغارا غير فطنين لم يقوموا بأعمالهم كما يجب، فيما جوهر القضية أن البيروقراطية قتلت روح مكتب السكك الحديدية منذ زمن بعيد، وهي البيروقراطية نفسها التي يستفيد الخليع من دروعها شديدة البأس للتخلص من أي ورطة.
الخليع موظف يبحث، كغيره من الموظفين المكتبيين، عن مرتب كبير، ومعاش تقاعد سمين. ولم تسعفه هذه الثقافة المسنودة بعدم زحزحته ولو بشبر واحد عن منصبه، في إدراك أن «الولاية الطويلة» تفسد «الأخلاق المهنية» حتما. ويحدث الشيء نفسه للمسؤولين السياسيين أيضا. وكلما نجح واحد منهم في تفادي «رصاصة» زاد غيا، فهم يشعرون مثلما أحس الجنرال فرانكو قبل قرن، بوجود «حماية» لا يمكن تفسيرها بالمفردات العلمية، تحلق فوق رؤوسهم، وأن على مرؤوسيهم أو شعوبهم أن ينصاعوا لإرادتهم مهما كانت غير سوية، لأن من تحميه «القوة العليا» لا بد أن يسود قراره على البقية.
وحتى أنا لا أستطيع تفسير الطريقة التي يدير بها الخليع مكتبه بمفردات علمية، ولدي إحساس بأنني إن استمددت من الميتافيزيقا بعض وسائل الشرح، فإني سأوقع نفسي في المتاعب أيضا.
إن الميتافيزيقا، في الواقع، تصلح لشرح شيء واحد في هذه المسارات المتعثرة للمسؤولين الذين ينجون دائما في تجنب الرصاصة التي تكون قد سددت بدقة إليهم، فهي تصلح للقول إن محاسبة المسؤولين أنفسهم أبعد المبادئ السياسية عن العلم، وأقربها إلى أبواب السماء المفتوحة. سينظر الخليع إلى المرآة ولن يرى انعكاس صورته وحده؛ ستترأى له خيالات مسؤولين آخرين لم ترتعد فرائصهم بالمرة وهم يصمدون في مواجهة ما كان يجب أن يؤدي بهم مباشرة إلى السجن. ولقد صمد البعض حينا من الزمن، وبعضهم مازال صامدا.
لكن، يحدث أن تنكسر المرآة فجأة، وعندما يقع ذلك، يُطرد المسؤولون الكبار مثلما يُفعل عادة بأي متطفل على مائدة عشاء السلطان، كما تروي الحكاية القديمة. وحتى ذلك الحين، يجب ألا يشعر الخليع بالرهبة، وهو بالطبع، لن يمتد إليه ذلك الإحساس بالضعف، بل سيذهب إلى مكتبه وسيمد رجليه.