كل أربعاء، يضع طاولته على باب السوق الأسبوعي كي ينصب على المغفلين. رأسماله ورق الجرائد الممزق إلى قطع متناهية الصغر وخبرة في الاحتيال تراكمت مع مرور الأيام. في اليوم الذي يسبق السوق، يشتري قنينة « شو دو سولاي » ويوزع وقته بين الشرب وتمزيق عشرات النسخ من جريدتي « العلم » و »الاتحاد الاشتراكي »، اللتين كانتا تستهلكان الجزء الأكبر من الورق المخصص للصحافة في تلك الثمانينيّات البعيدة. يحولها إلى نتف صغيرة يكدسها في لفافات من الورق نفسه على شكل أسطواني. يسميها «الباكية ديال الربحة». في الصباح الباكر، يضع طاولته الخشبية عند مدخل السوق، يصفف لفافاته المخاتلة بعناية، واحدة فوق أخرى، كما يعرض أي بايع محترم بضاعته، ويشرع في جمع الفضوليين بصوته الجهوري: « آ رْبح آ رْبح… نتا وزهرك مع الباكية… زيد جرّب… زيد لعب… آربح آربح… ».
كان اسمه « قرو ». لا أحد يعرف هل ذبح أهله خروفا كي يناديه الناس هكذا، أم هو مجرد لقب يطارده من أيام الجندية، التي قضى فيها بضع سنوات قبل أن يقرر الهروب. خرج ذات صباح من الثكنة دون ترخيص ولم يعد. «زَرْطا» بالمعجم العسكري. لكن أصحاب النياشين لا يمزحون. بعد أسابيع من التخفي ألقت عليه الشرطة العسكرية القبض. أمضى شهورا محترمة وراء القضبان قبل أن يستعيد حريته بشكل نهائي: شُطب من سلك الجندية واستعاد صفته المدنية، وبدأ رحلة عبثية في البحث عن عمل، ليعثر أخيرا على مهنة شريفة: النصب!
« قرو » يدعي أنه أخفى أشياء ثمينة بين نتف الجرائد قبل أن يلفها: ساعة يدوية، خاتم نفيس، سوار ثمين، سلسلة ذهبية، ورقة من فئة مائة درهم… ويدعو الفضوليين إلى تجريب حظهم بدرهمين. يضعون القطع النقدية على الطاولة ويختارون «باكية» وعيونهم تلمع من الأمل والسذاجة. بمجرد ما يضع النقود في جيبه، ينقض على اللفافة التي اختارها «الزبون» ويرفعها عاليا، ثم يشرع في تمزيقها وفتحها بحركات مسرحية، وهو يتحدث كما يفعل أي «حلايقي» بارع، بكثير من التشويق، عما يمكن أن يكون في قلبها: «كاين اللي ربح ماگانة سواتش، كاين اللي دّا خاتم، كاين اللي ربح بزبوز ديال الدهب، كاين اللي دّا جوج قرفيات»… في إشارة إلى ورقة مائة درهم، التي كانت لها قيمة كبرى في ذلك الزمن. المشكلة أن «الباكيات» كلها فارغة، محشوة بنتف الجرائد الممزقة فقط، والحشد الذي يتحلق حول « قرو » يعرف ذلك، باستثناء مغفل أو مغفلين. جمهور متواطئ تجلبه الفرجة وموهبة « قرّو » المدهشة في سرقة الإعجاب ودراهم المغفلين. أشخاص من كل الأعمار يعرفون أن اللعبة مجرد نصب واحتيال ويشاركون فيها دون أن يرف لهم جفن، لأن الإنسان حيوان نصاب بطبعه، ويفتش عن التسلية بأي ثمن.
طيلة العرض الذي تستغرقه لعبة «الباكيات» يدور أحد شركاء « قرو » خلسة بين الجمهور، ولكي يشكر المتواطئين المواظبين يمدهم خلسة بدرهمين كي يشاركوا في اللعبة، ويربحوا شيئا ثمينا، سرعان ما يردونه إلى الشريك المحتال، كي تنطوي الحيلة على المغفلين، ويتوهموا أن اللفافات ملأى بالمفاجآت، وهي في الحقيقة محشوة بالورق فحسب. يقترب منك الشريك وسط الزحمة ويدس في يديك درهمين دون أن ينبس ببنت شفة. تحس بالرهبة والتشريف. بعدما تختار «الباكية» وتفوز بخاتم ذهبي أو ساعة أو مائتي درهم، تجد وراءك الشخص ذاته واقفا ويسترجع منك ما ربحت بخفة، دون أن يترك لك مجالا للمناورة. العملية تنجح دائما في دفع أحد المغفلين إلى السقوط في الفخ. يخرج درهمين ويضع يده على لفافة كي يجرب حظه. يفرغ « قرو » محتوى اللفافة من النتف الورقية ولا يعثر داخلها على أي شيء ويختم كلامه بعبارات متأسفة حول سوء الطالع. وقبل أن يبلع الأخير حسرته، يرفع المحتال نبرته متحديا: سمعت أحدهم يقول إن كل اللفافات فارغة وأتحداه… خذ واحدة بعشرين درهما وإن لم تجد فيها شيئا أعطيك مائة درهم، ويخرج الورقة «القرفية» مكمشة من جيبه ثم يرميها بغضب على الطاولة، قبل أن يوجّه كلامه لـ«الفيكتيم» الذي أمامه: ضع عشرين درهما على الطاولة واختر أي «باكية» تريد، إن وجدتها فارغة خذ المائة درهم، «الله يخلف عليك». عندما يخرج المسكين عشرين درهما، بكثير من التردد، يسارع « قرو » في تفكيك اللفافة، وبطريقةً رشيقة يضع في يده درهما أو خمسين سنتيما أو عشرة سنتيمات أحيانا، يخفيها بمهارة قبل أن يوهم المقامر بأنه عثر على القطعة النقدية وسط العلبة… هكذا يربح المغفل «جوج دريال» ويخسر عشرين درهما. عندما يحتج أحدهم أو يعبر عن ندمه يصرخ فيه « قرّو » دون رحمة: «لعبتي وخسرتي، لقمر هو هادا!»