خاشقجيلوجي...

24/10/2018 - 13:56

صرح الحسن الثاني بعد جريمة اختطاف المهدي بنبركة أنه كان يهيئ لعودة هذا الأخير حتى يساعده في حل معادلة رياضية، تلك كانت طريقته في الاستعارات التي كان يقتل بها.. ولأن أهل الجزيرة العربية قوم بيان لا أصحاب برهان، حسب عابد الجابري، فربما كان محمد بن سلمان محتاجا إلى خاشقجي حتى يعينه في إعراب جملة تتضمن فعلا مبنيا للمجهول، وفي هكذا جمل تتغير مواطن النصب والاحتيال، وأحياز الرفع والخفض، لكن الأكيد أن الفاعل يحذف، غير أنه في جملة ابن سلمان فالمفعول به لم يتحول من حالة النصب إلى حالة الرفع، بل مر إلى حالة الموت، وعلامة موته السكون الأبدي.

وبالعودة للمهدي المنتظر الكشف عن مصيره، فما حصل بعد الجريمة كان صعودا للجنرال أوفقير في معارج السلطة، وجعل السماء المغربية مفتوحة أمام الانقلابات العسكرية، فمثل هذه الجرائم تكون تداعياتها غير ما خططت له نزوة الحاكم وغضباته.

أجد صعوبة في تصديق الكثير مما يروج حول ما وقع لخاشقجي، فلا الرجل بهذه السذاجة، ولا السعودية بكل ذلك الغباء، وهي التي أفلحت في محو بصماتها في مسارح كثير من جرائم الاغتيال السياسي والاختفاء القسري، شيء وحيد سيجعل معنى لكل ما يروج، وهو أن الأمر بالتصفية صدر في وقت وجيز، وفي حالة غير طبيعية للآمر الناهي، وهنا نكون أمام حالة باتولوجية تستلزم استحضار فرويد واستبعاد ميكيافيلي.

وحين نتأمل بروفايلات الحكام الجدد في المنطقة، سنجد الكثير من النزق، وخصوصا عند موجة « الشباب » الذين خلفوا آباءهم بعد الدفن أو قبله، فلا يكاد محمد بن سلمان يختلف عن محمد بن زايد، وأحيانا يظهر صراعهما مع الشاب تميم محاكيا لصراعات الشبان المراهقين في حانة حول فتاة غير قابلة للقسمة على ثلاثة، وإذا كانت التجربة تعلم القادة الذين عركتهم المكائد أن السياسة تهذيب للحروب، قد تأخذ بها ما قد تخسره بالدبابات، فإن موجة الحكام « الطائشين » المولوعين بالبلاي ستايشن يتحكم فيهم – ربما- عُصاب المصارعة في الحقبة الرومانية، التي لا تنتهي إلا بوفاة أحد المصارعين، وفي روما التي خلفت أثينا انتصر الكلادياتور على الفيلسوف، وبعد ذلك أضيفت خلطة الدين المسيحي لحساء السلطة، فولد الديكتاتور الذي أحرق روما نفسها بعد سنوات أصبح فيها الحساء فاسدا.

وبالعودة لفرويد، وفي الحاجة إليه لفهم مستغلقات حكام مأزومين عُصابيين، يخفون ضعفهم وقلة كفاءتهم بالضجيج والفوضى غير الخلاقة، يمكن الرجوع لأطروحته بخصوص « قلق الحضارة »، التي جعلته يجترح خطا ثالثا بين تشاؤمية « روسو » وتفاؤلية « كانط »، بخصوص سعادة الكائن مع تقدم التقنية لا الثقافة على حساب الطبيعة، (من قال إن الحتميات بدأت مع الهيغلية والماركسية بعدها؟).. يذهب فرويد أن الإشباع يولد قلقا جديدا، وهو قلق الحرمان، أو الخوف من العودة للحرمان.. ولعل صحراء التيه العربية تؤكد نبوءة فرويد، فرويد الذي اعترف في آخر عمره أن التحليل النفسي الإكلينيكي تتوقف حدوده عند الكشف عن أدوار اللاشعور، فهو أشبه بتأويل الحالة، أما علاجها فيستعصي في حالات كثيرة،رغم دقة التحليل/التأويل، فقد لاحظ فرويد أن الكثير من المرضى يحبون أعراضهم، ويتلذذون بها، فتنشأ عندهم مقاومة للعلاج تصل حد إنكار الواقع.. هذا الواقع الذي يفترض مصاحبة نفسية لكثير من حكام المنطقة الذين سقطوا سهوا.. وإلى جانب فرويد، قد نجد بعض جواب عند معاصرنا ألان دونو، الذي اجترح مفهوم « الميديوكراسي »، الذي يحلو للبعض ترجمتها بالرداءة، وأفضل ترجمة من اختاروا « حكم التافهين »، ذلك أن « الميديوكراسي » تظل نظام حكم كأي نظام حكم له آليات الإخضاع، وله ممارساته الخطابية، غير أن « الميديوكراسي » تحكم بإشاعة التفاهة وبالإعلاء من شأن التافهين، ربما، كان ذلك حال حتى بعض النظم المسماة ديمقراطية، لكني أعتقد أن قوة المؤسسات « العقلانية » الغربية تجعل التفاهة آلية إخضاع، لا آلية حكم وتدبير، بينما عند أمثال محمد بن سلمان هي فلسفة حكم وحياة وأفق..

ورغم ذلك، يظل فرويد وآلان دونو عاجزين عن حل مغاليق ما يقع في تلك المنطقة بصعود المحمدين: ابن زايد وابن سلمان، لذلك، ربما، نحتاج إلى علم جديد: الخاشقجيلوجي أو علم الخاشقجيات.

شارك المقال