ثمة على الأقل أربعة مؤشرات دالة يجدر بالقوى الديمقراطية أن تلتقط رسائلها وتهيئ نفسها لدور جديد تستعيد به المبادرة.
قبل سنتين، لم تستطع القوى الديمقراطية أن تعدل موازين القوى في اتجاه تحقيق جرعات إصلاحية قوية، رغم نتائجها المتقدمة انتخابيا.
اختلفت التقديرات في قراءة اللحظة، بين مبرر يستدعي إكراه السياق الدولي والإقليمي، وبين مُتّهِمٍ يعزو الأمر لقوة الاختراق أو محافظة القيادة.
في السياق الدولي والإقليمي، ظهر مؤشران دالان، أولهما، أن الاتحاد الأوروبي، وبعد معاندة شديدة، انتهى بعد تدفق موجات من الهجرة السرية، إلى النزول عند مطلب المغرب، بالرفع من الدعم المقدم له لمواجهة هذه الظاهرة. ثانيهما، هذا الاصطفاف الدولي الواسع ضد المملكة العربية السعودية على خلفية تورطها في جريمة قتل وحشية راح ضحيتها الصحافي جمال خاشقجي في قنصليتها في اسطنبول.
يعطي المؤشر الأول صورة عن رؤية الاتحاد الأوروبي لدور شريكه في جنوب المتوسط في حفظ أمنه، ورهانه على استقراره، وأنه لا يمكن أبدا أن يشجع أو يقبل بحدوث انهيار لمقومات الاستقرار السياسي والاجتماعي في المغرب، لأن ذلك سيؤثر ضرورة على أمنه واستقراره.
أما المؤشر الثاني، فيتعلق بعودة الديمقراطية والمسألة الحقوقية – بعد تراجعهما عن أولويات واتجاهات السياسة الدولية- إلى نقطة التأثير العالمي. فعلى الرغم من العلاقة الاستراتيجية التي تجمع أمريكا والاتحاد الأوروبي بالسعودية، وعلى الرغم من تخوف الإدارة الأمريكية من إمكانية ضياع صفقات سلاح ضخمة من جراء مواجهة حليفها، لم يستطع القرار الدولي أن يسقط القضية الحقوقية من الحساب في العلاقات الدولية.
المؤشران المتبقيان، يخصان الوضع الداخلي. فالدولة، بعد سياق مراجعة، أعقبت حَراك الريف، انتقلت من خطاب جلد النخب، إلى التماس دورها، وتكثيف الطلب على دور قوي لها، بتمكينها من وسائل الدعم لاستقطاب النخب والأطر. وهي تقر ضمنيا باستشعار أجهزة رصدها لمخاطر اجتماعية مهددة للسلم الاجتماعي لو لم يتم رفع المسألة الاجتماعية إلى درجة الأولوية الوطنية، حتى وشروط الدولة الاقتصادية والمالية، تبدو غير كافية، لو تعاظمت مخاطر ارتفاع أسعار المحروقات.
تركيب هذه المؤشرات، يفيد بأن هوامش السلطوية التي استثمرت تراجع أولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان في السياسات الدولية، تسير نحو الانكماش أكثر، وأن القوى الإقليمية التي تحاول التمدد بمشروعها المعاكس للقوى الديمقراطية، أصبحت مشغولة بخيارات الخروج من ورطاتها وضغوط القوى الدولية عليها، كما أن المخاوف من الضغوط الأوربية لتحجيم دور الإسلاميين أضحت أشبه ما تكون بالسراب، فلم تستطع أوروبا مقاومة القوة التفاوضية للمغرب، ورضخت تحت إكراه الخوف من غرقها بالهجرة السرية المتدفقة إليها، وهو ما يؤكد أن ضغوطها المفترضة، لا يمكن أبدا أن تذهب حد المقامرة بثوابت الاستقرار التي أفرزتها الطبيعة السياسية، وهو ما يعني في المحصلة الارتفاع النسبي لعقبة السياق الدولي والإقليمي أمام المبادرة الديمقراطية.
ومن جهة ثانية، فالمغرب اليوم، يعيش تحدي حراك اجتماعي، ربما، تمت مراقبة معالمه في أجهزة الاستشعار الرصدية، وأن المسارعة لبلورة وتنسيق وإخراج حزمة البرامج الاجتماعية، والرهان على النخب، لا يعني أكثر من تجهيز الخيارات الاستباقية لتحصين البلاد من المجهول.
والحقيقة أنه لا أحد يريد مواجهة هذا المجهول، ولا أحد أيضا، يتطلع لمراجعة صيغة « الإصلاح في إطار الاستقرار » رغم الانزياح عن المسار الديمقراطي الذي حصل، ورغم استمرار بعض النخب في المقامرة بمصالح البلاد بتكتيكاتها العبثية، لكن، في المقابل، تبقى هذه اللحظة بشروطها، مواتية للقوى الديمقراطية، لإعادة ترتيب أوراقها، وترميم المشهد بإعادة المعنى للسياسة، وبناء الإرادة الممانعة للعبث، وبذل الموقف الإصلاحي القوي، والتحرر من نزعة المحافظة.