الخاوية على عروشها

29 أكتوبر 2018 - 13:11

بقلم آمال هواري 

دخلت جزيرة “عُمي البصيرة” وأنا لا أعي كيف دخلتها، ولا متى.

وجدتني في بادئ الأمر أمشي في كل الاتجاهات، وأدور حول نفسي، وكأنني فقدت البوصلة. لم أكن أعرف اسم المكان، إلى أن جاء أحد الأشخاص أمامي، وقال لي، هل تعلمين أين أنت؟، أجابني دون انتظار جوابي، لأنه كان على يقين بعدم معرفتي به، أنت في جزيرة عمي البصيرة، هذا ما تقولون عنا…

ستحصلين على عدة امتيازات، أشياء كنت تحلمين بها، وأشياء لم تحلمي بها بعد سنوفرها لك، إلا أننا سنطلب منك شيئا صغيرا جدا، أو بالأحرى شيئين اثنين لا أكثر.

أدار ظهره وتقدم في المشي، نظر إلي وأوحى لي أن أتبعه، خفت وتجمدت ساقاي في مكانهما، نظرت ورائي، أبحث عن اليابسة، كان البحر يحيط بالجزيرة من كل مكان، نظر إلي بدوره، وقال لا تفكري في الأمر، الداخل هنا مفقود، وليس هناك خارج أبدا، ولم يحصل منذ زمن بعيد!!!.

كلمة لم يحصل منذ زمن بعيد، أعطتني القليل من الأمل، رفضت أن اتقفى خطاه، ولكن اسم الجزيرة أرعبني، سأصبح منهم.. معمية البصيرة!، لا يمكن أبدا.. لا أريد منهم شيئا.

تسمرت في مكاني.. وبقيت متجمدة رغم نظراته المهددة لي، قلت له لا أريد.. نظر إلي بعنف وقال: لاتريدين ماذا، أنت هنا، ولا يسعك إلا أن تصبحي منا وعلينا، ولن ينقصك شيء، أنظري إلى فخامة الجزيرة وعظمتها، انظري إلى صرحها العال، انظري إلى جدرانها الحديدية المهيبة، ألا يستهويك كل هذا؟.

قلت: بل يريبني وينفرني، لا أريد مهابة ولا عظمة، وأتشبث بالبساطة، التي أنا عليها الآن، تريحني أكثر من صرحكم.

استمر بالكلام من دون أن أبدي رغبة في سماعه، وقال، شيئين اثنين لا أكثر، أن تصمتي، عن أشياء سنقولها باسمك، ولا تبدي اعتراضا.

نظرت إليه باستغراب، وقلت لماذا أنا؟، وعن ماذا سأصمت، واسترسلت قائلة: إن كان عن كلام حق فأنا.. قاطعني قائلا.. الحق يختلف حسب الرؤى، والمواقف، والسياقات، قفي بجانبي، وانظري من زاويتي أنا قبل أن تكملي حديثك.

رفضت التزحزح من مكاني، حاول جري، هو قوي البنية ضخم الساعدين حاد النظرة.. سحلني من مكاني سحلا.

ظهر أمامي فجأة أناس كثر، اختلط علي الإحساس.. سحلٌ، وجر، وصمت، ونظرات من كل مكان.. أناس يشمتون، وآخرون يشجعون الرجل القوي على سحل امرأة عزلاء.

كان سكان الجزيرة عراة، يلبسون أساور من ذهب، وفضة، ولكنهم عراة، استغربت الأمر، حاول عدة أشخاص منهم أن يجردوني من ثيابي، بعدما طلب منهم بغمزة من عينه قوي البنية ذاك، أخذت أضرب على أيديهم يمينا، وشمالا، وأتشبث بثيابي، مزقت وزرتي قليلا، لكني بقيت متشبثة إلى أن أبدوا تعبا كبيرا.. وأخذوا يلهثون كالكلاب..

همّ قوي البنية بنزع ثيابي بيديه، وقال: سنعوضها بذهب وفضة.. على عنقك وذراعيك.. ورجليك.

انتفضت وأجبته: احتفظ بأساورك لم أطلبها منك.. لماذا أنا.

قال لي لست وحدك، ولكنك كنت قريبة من محيطنا..

استمر بالقول: “بمحيطنا نيران.. وأنت كنت قريبة منها..

نظرت إليه، وقلت له أرفض أن أموت حرقا!

رد قائلا: لن يحرقك إلا رفضك أن تصبحي مواطنة من مواطنينا.

عمي البصيرة؟ أجبته، وأضفت، أهذا ما تطلب مني؟!.

أجاب باستخفاف، هذا اسم نُعرّف به في الأماكن المحيطة بنا… أما نحن فأصحاب الجاه، والحل، والعقد، دعي الرعاع يطلقون علينا ما يشاؤون من الأسماء، ترفعي عنهم، وقولي ما نطلب منك، أو اصمتي فقط.. سأذهب لأحضر إليك أساورك، ثم لابد أنك محتاجة لقليل من الراحة.. مشاريع كثيرة في انتظارك.

نظرت إليه.. ثم توجهت بنظري، يمينا، ويسارا.. كنت حافية القدمين.. اختفى الناس من أمامي.. كانوا منشغلين بأناس آخرين.. قدموا إلى الجزيرة أو استقدموا مثلي.. .

تراجعت خطوات للوراء.. بينما استرسل قوي البنية في الحديث، وتقدم في مشيته.. هرولت من دون أن أعرف أين الوجهة.. نظرت إلى المياه الباردة جدا.. لكنها كانت أرحم من نيرانهم، وأساورهم، وصروحهم الحديدية.. ومن قريتهم الخاوية على عروشها، أخذت أجدف بذراعي الهزيلتين، استمر التجديف ساعات، وشهور، والتف الناس على حدود الجزيرة ينظرون إلي.. بعضهم بخوف، وآخرون بتشف.. وبعضٌ استغربوا جرأتي، وربما حماقتي.. أخذت أنظر إليهم وأنا أسبح في الاتجاه المقابل.. .

كانت اليابسة في انتظاري.. كانت ثيابي ممزقة، ولكنها لم تظهر عورتي أبدا، طفق أحدهم يسترني بقماش حريري، نظرت إليه واستسلمت للتعب، وأظنني دخلت في غيبوبة.

استفيقي يا أمل، هل أنت بخير، كانت نظرات صديقتي حنان مليئة بالحب، والرحمة، قالت ما بك عزيزتي، وأضافت مبتسمة ماذا كان عشاؤك أمس.. خروفا مشويا أكيد بالنظر إلى رعابة الكابوس، الذي رأيته خلال نومك.

مشاعر الارتياح، والاستغراب اختلطت حينها.. كابوس.. أين أنا.. هل كنت أحلم…

أجابت أنت عزيزتي في فراشك.. اتركي ملابسك فأنت مستورة.. ولا أحد سينزعها عنك.

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الحبيب منذ 3 سنوات

بنتي آمال, كان عليك أن تتخلصي من الذهب، و الفضة، قبل أن تستفيقي...