هل نعيش أزمة حكم أم أزمة معارضة أم أزمة دولة؟ هذا السؤال يعم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنه بشكل من الأشكال يهم حتى البلدان التي تعتبر ديمقراطية، ويعبر بصورة أكيدة عن الانحسار المستمر للأنظمة الديمقراطية، والتي أكدت آخر الدراسات العلمية المحكمة عن تراجعها أمام توسع الأنظمة الاستبدادية والشمولية، محمولة على متن الشعبوية وضروب الهيمنة المختلفة التي يمارس أفراد ومؤسسات قاموا باختطاف الدولة ومؤسساتها لحساباتهم الخاصة.
قبل أكثر من سنة، حملت الانتخابات الرئاسية الفرنسية شابا قادما من الظل إلى قصر الإليزي، في حملة قادتها مؤسسات إعلامية ومالية واقتصادية. ماكرون بلغ قمة الهرم السياسي دون مسار سياسي يبرر ذلك النجاح الخادع، الذي تكشف استطلاعات الرأي اليوم، أنه كان بمنطق الوجبات السريعة، ما يجعل السؤال مشروعا عن السر الذي جعل فرنسا بتقاليدها الحزبية والديمقراطية واصطفافاتها الإيديولوجية الصارمة، تسلم نفسها إلى حركة سياسية جمعت ما تفرق عن اليمين واليسار لتبني هوية إيديولوجية هجينة. يتضح يوما بعد يوم، أن خطابها لم يكن باستطاعته تجاوز خطاب الحملات الإعلانية كما يتم مع أي منتج استهلاكي، والتحكم في المحتوى الذي تمارسه مؤسسات تعمل في مجال وسائط الاتصال الاجتماعي. قبل فرنسا، كانت أمريكا قد شهدت صعودا لافتا لرجل أعمال ومتعهد مباريات ملكات الجمال والمصارعة الحرة إلى رئاسة أعظم دولة في العالم ليكون سيدا للبيت الأبيض.. دونالد ترامب فرض نفسه بداية مرشحا باسم الحزب الجمهوري، وهو لا رابط يجمعه مع الجمهوريين لا من الناحية السياسية أو الفكرية. وبعدها، فرض نفسه رئيسا على الجميع أمام ذهول العالم، وها هو اليوم، يقدم نموذجا جديدا لرجل الدولة في ظل أزمة عالمية للقيم الديمقراطية.. بالطبع، يمكن الحديث عن تجارب أخرى في العالم تشهد على انحراف الممارسة السياسية عن منظومة القيم التي أطرتها على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في بلدان الجنوب ومنها المغرب، يعيش الخطاب الديمقراطي أزمة مضاعفة، فهي من جهة متأثرة بالتراجع العالمي للقيم الديمقراطية والرهان السياسي عليها، وفي الوقت نفسه، تعيش في ظل الديكتاتورية الصريحة أو الاستبداد العلني، الذي جعل من السلطوية اختيارا ثابتا في تدبير أمور الحكم، لكن ذلك كله يتم في ظل أزمات اجتماعية واقتصادية ذات طابع بنيوي تقود تلك الدول إلى حالة من الإفلاس بما تحمله كلمة الإفلاس من معنى، كما تعيش تلك الدول أزمة خانقة في البدائل الممكنة، وخاصة تراجع أي رهان ممكن على أحزاب المعارضة لإحداث نوع من التوازن في الحياة السياسية، وذلك لأن التمييز بين المعارضة والأغلبية أصبح أمرا مستعصيا، بالنظر إلى حجم التماهي الذي تنتجه المعارضة مع الخطاب الرسمي، هذا الوضع يجعل من الشارع الفضاء الوحيد للتعبير عن صوت المجتمع ودرجة سخطه على الطبقة السياسية بمختلف مواقعها؛ سواء أكانت في هرم السلطة أو في ذيلها، هذا الفراغ الذي لا تخطئه لا العين ولا العقل؛ يواجه بدرس الطبيعة البليغ الذي يقول بأنها تأبى الفراغ… فهل سنترك درس الطبيعة يسري، أم إننا وجدنا لنؤثر في الطبيعة؟
الأزمة اليوم، في بلادنا جد معقدة وكل من يسعى إلى تبسيطها وتجاهلها ستواجهه قواعد الطبيعة القاتلة، فشل في السياسة، وفشل آخر في الاقتصاد، وموجة غضب مكتومة لا ندري أي سبب يمكن أن يفجرها. هنا علينا أن نتذكر دروس الشعوب في جوارنا وأن نعلم أننا دخلنا منطقة الزلازل الاجتماعية والسياسية، والزلازل عادة لا يمكن توقع ساعتها ومكانها، الشيء الوحيد الذي لا جدال فيه.. هو أن آثارها تكون مدمرة…