جدال جديد شهدته الساحة الوطنية خلال الأيام الماضية، كان عنوانه إقرار توقيت (GMT+1) توقيتا بالبلاد طوال السنة، عوض اعتماده لفترة محددة كما كان معمولا به قبل سنوات.
هذا الجدال عكَس في العمق إشكالات غير التي برزت في الواجهة وعلى السطح، وهي أكبر من مجرد تعبير عن رفض توقيت، يربك الحياة العامة وبرامج الأسر في علاقتها بالإدارات والمرافق العمومية الخدماتية وغيرها.
وبصرف النظر عما أكده الخبراء المختصون، حول الآثار النفسية والبيولوجية للساعة الإضافية، وانعكاساتها السلبية على المواطنين، والتي، ربما، تكون كافية لتبرير وتفسير الاحتجاج على اعتماد هذا التوقيت، إلا أن الأمر له خلفيات أخرى تتعلق بعلاقة المواطنين بمؤسسات الدولة، التي تقرر في حياتهم ومصيرهم، وتتعلق بحيوية ويقظة مجتمع، ما يزال يرفض تهميشه والتعامل مع مصالح باللامبالاة والإهمال، لفائد مصالح فئة قليلة، فقط لأن لها نفوذ يمتد إلى ما وراء الحدود.
في أحد مستويات هذا الجدال، يظهر مجددا الارتباك الذي يطبع مسار اتخاذ القرارات العمومية، برز ذلك في التداعي لعقد مجلس حكومي استثنائي فاجأ أعضاء الحكومة أنفسهم، قبل غيرهم من المواطنين الذين مايزالون يتابعون أشغال الحكومة، حيث تم الإعلان عن موعد الاجتماع العاجل للمجلس الحكومي، وتعميم جدول أعماله المتضمن لنقطة فريدة تتعلق بالمصادقة على مرسوم يُعدم توقيت غرينيتش، بعد أقل من أربع ساعات على إنهاء الناطق الرسمي باسم الحكومة لندوة صحافية بسط فيها مخرجات الاجتماع العادي للمجلس المنعقد يوم الخميس 25 أكتوبر، دون أن يتحدث عن موضوع الساعة، مع توثيق أن السلطة الحكومية المختصة كانت قد عممت بلاغا يتحدث عن العودة إلى الساعة القانونية بالمملكة يوم الأحد 28 أكتوبر.
هذا المشهد لا يمكنه إلا أن يُشوّش على جدوى مؤسسة الحكومة في أذهان المواطنين، ويعمق لديهم فكرة أنه من يقرر حقيقة يوجد في مكان آخر لا أثر له لا نصا ولا روحا في الدستور، والمستفيد الوحيد من هذا التشويش، حتما هو الاتجاه الذي لا يرى في الحكومة مؤسسة منتخبة يفترض أنها تمثل نتائج الانتخابات، وبالتالي تعكس جانبا من إرادة المواطنين، الاتجاه نفسه هو الذي يشن الحروب بلا هوادة ضد الأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون شريكة في تدبير شأن المواطنين من داخل المؤسسات المنتخبة.
وفي هذا المستوى، تكشف ردود الفعل الشعبية، أن نسبة الثقة في الحكومة وفي غيرها من المؤسسات، مهددة بالتراحع في اتجاه الانهيار، وهو ما ستكون له انعكاسات غير متوقعة المدى، وتكشف، أيضا، في جانب آخر عن رفض للتعامل مع الحكومة كمكتب تسجيل أو مجرد قناة للختم على قرارات لا تأخذ المسار الطبيعي الذي يمكن تتبعه من طرف الجميع.
في مستوى آخر، نكتشف أن حالة الرفض لـ »الساعة الجديدة » أطرتها عبارات ومواقف سياسية، وليدة لحظة خروج الحكومة الحالية إلى الوجود، ما يعني أن المواطنين لم ينسوا ظروف وسياق الإعلان عن الحكومة، خاصة ما ارتبط منه بإعفاء الأستاذ عبدالإله بنكيران، بما يحمله من رمزية تحيل على نتائج الانتخابات الأخيرة، وهذا ما يطرح تحديات عديدة على الحكومة ومختلف المؤسسات في مسعى إقناع المواطنين بإنجازاتها ووضعها في سياق طبيعي، على الرغم من قيمة وأهمية هذه الإنجازات.
في مستوى آخر من جدال الساعة « غير القانونية »¡ التي أصبحت قانونية بأسلوب أقرب إلى الإكراه، يظهر استمرار رفض المواطنين لعملية إخضاعهم، وإخضاع حياتهم اليومية للإيقاع الذي يناسب التعاملات المالية والتجارية فقط، ونقاش « الساعة الجديدة » هو تعبير عن رفض فرض الإيقاع الزمني الخاص بالشركات على البرنامج اليومي للمواطن، وهذه العملية تضع في خلفياتها النظرية المواطنين ضمن استراتيجة « تسخير ما يمكن تسخيره، في انتظار التسخير الشامل » للشركات ولرأس المال الكبير.
في مستوى أخير، ترفع فئة من المحتجين شعار الشراكة والإشراك في اتخاذ القرارات العمومية المؤثرة على الحياة اليومية، وتجعل هذه الفئة من النصوص الدستورية والقانونية المتعلقة بالديمقراطية التشاركية، مرجعية في الترافع.
بكلمة، المغاربة يؤكدون في كل مرة يجدون فيها أنفسهم في صدام مباشر مع بعض مؤسسات بلادهم، أنهم على استعداد لتفهم الإكراهات والتجاوب معها إيجابا، أو الاحتجاج عليها بشكل حضاري، والتعبير عن الرفض بأساليب عميقة، يبقى فقط، على متخذي القرار، حيثما كان موقعهم ظاهرا أو خفيا، أن يلتقطوا الإشارات ويأخذوا في الحسبان أن « مصلحة الشعب خيرٌ وأبقى »!.