كان يفترض أن يسود صراع صحي بين السياسي والتقنوقراطي في المغرب. الأول يدافع عن البرنامج الانتخابي الذي تعاقد عليه مع قاعدته الناخبة، والثاني، عن البرنامج التقني الذي تعاقد عليه مع النخبة الناخبة. تلك النخبة التي تضع من تشاء في أي مركز شاءت، بناء على أي تعاقد شاءت عبر صناديق اقتراع وأصوات انتخابية من نوع خاص. كان يفترض أن تندلع « معركة شجاعة » بين الطرفين. بين شرعية المنتخب الذي يهتم بالإرادة العامة، لأنه يشعر أنه نابع منها، ويحاجج باسمها، ويلجأ إليها حين يشعر بالخوف أو الرهبة من السلطة، وبين شرعية التقني أو التقنوقراطي الذي يهتم لأمر الإرادة الخاصة ويعمل على تحويل قراراتها إلى صواب مطلق، معبئا كامل معرفته التقنية لإمداد القرار بالحجج العلمية ليصمد أمام غضب « إرادة الغوغاء ».
فالتقنوقراطي يشحذ كافة قدراته المعرفية لرسم لوحة غوغائية متخلفة غير علمية وانفعالية للإرادة العامة كما تعبر عنها الجماهير. الفاعل السياسي في هذه البلاد السعيدة يصدق ما يراه في لوحة التقنوقراطي. ينأى بنفسه عن كتلة صفاتها « الغوغائية والانفعال ». يتبرأ من قاعدته. وقد كان يفترض فيه أن يدافع عن هذه الشريحة التي يبيع ويشتري باسم تمثيل مصالحها صباح مساء. كان عليه إعادة تشكيل المشهد وخلق توازن في الصراع بحيث يصير السياسي ممثلا لإرادة عامة واعية ويقظة وفاعلة ولها أسئلتها المقلقة. أسئلة تعبر عنها بألسن متعددة منها اللسان السياسي الذي يصرّف غضبها في قالب حجاجي يوازي القالب الحجاجي للتقنوقراطي، بل وقد ينسف حجته ويعطل قراره. وفي هذا المشهد، يصير التقنوقراطي ممثلا لإرادة تقزيم الوعي وقتل جذوة السؤال والاستبداد بالرأي، والأخطر من ذلك مصادرة حق الأمة في اتخاذ قراراتها.
وهذه المعركة لم تحدث خلال قرار مواصلة العمل بالتوقيت الصيفي طيلة العام، كما لم تحدث إبّان قرارات أخرى تحول السياسي فيها إلى لسان حال التقنوقراطي في مشهد بئيس ومثير للشفقة. طبعا، الكل يعلم أن الحكومة الحالية تعيش بلا معنى سياسي. صحيح لها وظيفة سياسية تمارسها بشكل طبيعي وعادي، لكن ليس لهذه السياسات التي تطلقها وتطبل لها وتزمر لها معنى سياسي جامع. ليس لها امتداد. سياسات بلا روح، وحكومة بلا آصرة. وأي بلد، كيفما كان، في الغالب ما يشهد إصلاحات وإطلاق أوراش مهمة وتجديدا للبنيات التحتية ومشاريع لدعم الفقراء. لكن لا يترقى أي بلد في سلم النهضة والتقدم والازدهار بهذه الإصلاحات. لأن الذي يجعل الإصلاح ينجح هو الانخراط الطوعي للشعب في هذه الإصلاحات التي يراها تعبر عن حاجاته وتطلعاته ويشهد أنها خرجت من صميم انشغالاته وجاءت تلبية لمطالبه الأكثر إلحاحا ونُفِذت في إطار المفاوضة الجماعية معه أو مع ممثليه (نقابات، جمعيات، تنسيقيات..). أما الانخراط القسري أو المتصنع أو المتملق، فلا يمكن أن يأتي بنتيجة مهما استفاض دعاته في ترصيع الكلمات ورقش العبارات. لأن الإنسان حر في أصله، والاستعباد عارض عليه. والذي يؤخذ بالقسر يمارس حريته بأشكال أخرى، بالغش والخيانة والفساد والتمرد والثورة. ينتقم من حالة الاستعباد التي يعيشها حسب وضعه. بينما الحرية تجعل هذه الخاصيّة (أي حريّة الإنسان) مكسبا للإصلاح والقائمين عليه. مكسبا للدولة والشعب والنظام. الحكومة الحالية بلا معنى، ومعنى السياسة في ظلها بلغ مستوى مبتذلا ومهولا في التخلف، وحزب العدالة والتنمية أخطأ طريقه حين انتقل من الاهتمام بعلمنة مشروعه وتدعيم ركائز ممارسة سياسية لا يُتوسل فيها بالدين لأغراض سياسية، إلى الاهتمام بمخزنة مشروعه وتدعيم ركائز ممارسة سياسية بلا طعم ولا معنى.
في المغرب لم يكن البرنامج الانتخابي في أي لحظة مهما أو عاملا فارقا في قرار الانتخاب. معظم هذه البرامج نسخ وفيّة لبعضها البعض. الشعارات هي من ظلت تحرك الجماهير في لحظات النور مثلما ظل المال يحركها في لحظات الظلام. وكان آخر هذه الشعارات شعار: « صوتك فرصتك ضد الفساد والاستبداد ». هذا هو الشعار الذي دسه الحزب في دولاب الشعارات المستعملة، منذ دسته السلطة، برموزه وشعاراته، في دولابها.. بجوار رموز وشعارات أخرى.