لمَ يجب أن تهمنا حقيقة بنبركة؟

01/11/2018 - 15:22

بعد أزيد من نصف قرن من اختفاء المهدي بنبركة (اختفى في 29 أكتوبر من العام 1965 بباريس)، مازال هناك من يطالب بكشف الحقيقة. لكن، هل سيفيدنا ذلك حقا؟ لقد قدمت لنا الحقيقة بالتقسيط على كل حال على مدى عقود، وأصبحنا مقتنعين بأن الرجل جرت تصفيته بطريقة وحشية، من لدن عملاء استخباراتيين فرنسيين ومغاربة وإسرائيليين، كل حسب مقياس ضرره منه.

ليس هناك لغز كبير في هذه القضية، إلا إذا كنت ترغب بإصرار في الحصول على أمر القتل موقع باسم من أراد ذلك، وهذا ليس بأمر مهم الآن على أي حال.

وفي الواقع، فإن الإحاطة بكافة الجوانب المرتبطة بمصير بنبركة على ذلك النحو، لم تعد هدفا حتى بالنسبة إلى الكثيرين من رفاقه آنذاك في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، خصوصا أولئك الذين لم يكونوا على اطلاع بما كان يفعله في منفاه الباريسي، قبل أن تصبح أولويتهم عندما حصلوا على المنصب الحكومي المناسب كي يعرفوا ماذا حصل وبأي كيفية، هي أن يوقعوا على رزمة الأوراق الرسمية التي لن تسمح عمليا بأي تقدم في عملية التحقيق الجارية من لدن بعض القضاة الفرنسيين المنهكين والمحبطين سلفا من اختفاء عناوين كبار الضباط المغاربة من السجلات الرسمية.

إن حصر الحقيقة في حدود المصير الشخصي لبنبركة سيكون مفيدا من الناحية النفسية لعائلته بالطبع، فهي تستحق أن تعرف كيف انتهى ابنها، أو أن تقوم بمراسيم دفن ملائمة لجثمانه، وأن يكون للرجل قبر باسمه. هذه مطالب عائلية طبيعية ومشروعة.

لكن هذه الحقيقة المفيدة لعائلته لا تشكل نفعا كبيرا للمغاربة، الذين عادة ما يمثل اسم بنبركة، بالنسبة إليهم، علامة رمزية على جودة سياسية لم تعد ظاهرة في العلب الحزبية التي تركها من بعده.

غير أننا، نحن المؤمنون بشدة بنوع معين من الحقائق المزعجة، يحلو لنا أيضا كتابة التاريخ بالمداد نفسه الذي تكتب به برقيات العزاء؛ حيث لا يحق قول شيء وإن كان حقا، وعلينا أن نطبق أفواهنا حتى يمر موكب الجنازة. لكن سيكون من المجحف أن تستمر هذه العملية نصف قرن، فقط لأن شخصا ما قرر أن يدع مجلس العزاء مفتوحا ما لم تظهر الجثة. التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يساعدهم أولئك المتخاذلون الذين يبحثون عن حظوة. إننا لا نعرف بنبركة على نحو دقيق، لأن الدرس التاريخي الذي تلقيناه بلهفة كان ملخصه التنفيذي يشير بوضوح إلى أن معارضة النظام في تلك الفترة كان الخيار البطولي الوحيد. ويمكن اليساريين، بشكل عام، أن يعرضوا عليك قائمة طويلة بأسماء قتلاهم الذين خسروا المعركة.

في تلك المرحلة، ليس محددا، على نحو وثيق، ما كان يريده بنبركة، وهل كان الرجل بالفعل يخطط لإسقاط النظام، والتحول إلى نسخة من نيكولاي تشاوشيسكو، أو مثل أولئك الزعماء الذين كان يحاول تنظيمهم في إطار واحد، وتحولوا جميعا إلى ديكتاتوريين؛ أم إن الرجل كان براغماتيا كما يقال، وكان بالإمكان أن يقبل بالعودة إلى بلاده لو كان قد عرض عليه منصب كبير كرئيس حكومة، مثل ما فعل صاحبه عبد الرحمان اليوسفي بعد 30 عاما، لكن مخابرات دولة أخرى عرقلت ذلك بالتخلص منه نهائيا.

بعض الاتحاديين الذين عاشروا الرجل فترات متقطعة، لا يقولون أشياء كثيرة عما كان يخطط له، أو لا يريدون قولها الآن، وذلك أمر محبط بالنسبة إلي، أحد أفراد الجيل الذي ولد بعد سنوات من اختفاء بنبركة. ولست أزعم أني ملم بالتاريخ، لكن الرواية التاريخية عادة لا تستند إلى شهادة واحدة، وإذا كان يجب أن يفتح كتاب بنبركة، فيجب أن تقرأ صفحاته جميعا. إنني، كأي شخص آخر يسعى إلى تحسس هواء ديمقراطي في بلاده، سأكون مضطرا إلى التحقق بشأن ما إذا كان بنبركة ديمقراطيا أم لا، وهل عزز فكره التقدم الديمقراطي في البلاد في تلك المرحلة الانتقالية في صيرورتها التاريخية أم لا، وهل مَس اختفاؤه بشكل جوهري، تبعا لذلك، الطريقة التي تشكلت بها ملامح النظام السياسي بعده.

إننا لا نتحدث عن شخص ثانوي، بل كان ذَا تأثير قوي في صناعة التاريخ الذي مازلنا نشعر بالإحباط من محاولات كتابته. ودون شك، كان لموته كذلك أثر على حياتنا في الوقت الحالي، لكني لا أعرف بأي طريقة بالضبط يجب تقييم هذا الأثر.

إننا، بإخلاص، لا نريد أن يتشكل اسم بنبركة في أذهاننا بتلك الصورة التي تجمع بين السعي المجنون إلى البحث عن نسخة من الأمر بالقتل، وبين نسخ صوره غير المحمضة بإتقان داخل مقرات حزب يتنكر، دون تثاقل، لكل ما يعنيه بنبركة بشكل مبسط للناس العاديين.

شارك المقال