ساعة حمادي

01 نوفمبر 2018 - 16:27

لن أدعي إحاطة بخلفيات تثبيت توقيت غرينيتش+ ساعة، ولا بفوائد ذلك أو مضاره، ولكن ما يستفز هو هذه الفجائية التي تطبع قرارات “حكومية” مؤثرة في معيش الناس اليومي، كما في مستقبلهم، من قبيل هذه الساعة التي ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ومن قبيل فرض التجنيد الإجباري، بمبرر رفع منسوب الوطنية، تلك الوطنية التي تمر من قناة “الإجباري” لا “الاختياري” في عرف الحاكمين.. هذه الفجائية تعني أن قنوات اتخاذ القرار المعلومة/المجهولة لا تعير أدنى اهتمام للرأي العام، وتعتبره قطيعا، تقوده “عبقرية”: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبل الرشاد.. نوع من الفرعونية 
اللايت، أو السوفت فرعونية..

وفي هذا التعتيم، تنمو الإشاعة، الإشاعة بما هي محاولة للتفسير والفهم، الإشاعة بما هي احتجاج ورفض، الإشاعة بما هي رسالة بأننا “عقنا بالقالب”.. والإشاعة بهذه الدلالات هي معادل موضوعي لفقدان الثقة في المؤسسات: 
ممارسات وخطابات ووعود..

شخصيا يصعب عليّ أن أهضم أن قرار فرض هذا التوقيت، كانت وراءه ضغوطات شركة فرنسية، فلا شيء كان يمنع هذه الشركة من ملاءمة توقيت العمل الخاص بموظفيها وعمالها بالمغرب مع التوقيت الفرنسي، وهذه الشركة وغيرها من الشركات متعددة الاستيطان التي تتحكم في الاقتصاد والسياسة والحروب والبيئة، لها فروع في قارات الدنيا الخمس، حيث فارق التوقيت بين باريس أو نيويورك، وبين التايلاند أو باكستان يفوق الخمس ساعات، ولكن لا أستبعد هذا الطرح أو ما هو قريب منه، إذا تم تدعيمه بحجج أكثر إقناعا، فواقع التبعية لا يرتفع، والحديث عن القرار السيادي هو أشبه بالحديث عن بيضة الديك..

الإشاعة التي تنتشر كسردية مضادة لرواية السلطة غير المقنعة، تلعب أدوارا تفسيرية وانفعالية وتفريغية، وتتغير بتغير السياق والفاعل والحامل، فقد انتهى زمن الإشاعات “العجائبية” التي كانت تلعب وظيفة الإلهاء في زمن الأزمات، كإشاعة أقزام لا يتجاوز طولهم عشرين سنتيمترا ظهروا بحي سيدي عثمان بالبيضاء، أو كإشاعة الكلاب المتشردة التي اختفت بفعل اصطيادها في جنح الليل من طرف الصينيين الذين يأكلون لحمها.. كما اختفت الإشاعات التي كانت تلعب دورا تفريغيا يحكي عن بطولات لم تقع، من مثل أن مقطعا في أغنية “داويني” للمشاهب، كان في الأصل “حيدوه” وليس “أحيدوس”، في إشارة للحسن الثاني، أو أن عبدالرحمان باكو أشار لصورة الملك الراحل في إحدى سهرات ناس الغيوان وهو يردد: أشمن فرق بين انت وانت وانا، وقس على ذلك أغنية “ما أنا إلا بشر” التي نسجت منها المخيلة الشعبية حكاية أنها رد على رفض طلب خطبة تقدم به عبدالوهاب الدكالي لابنة الملك الذي كانت ترتعد فرائص الشعب عند سماع اسمه.. طبعا، كان الناس يثقون بحكايات من يروي كيف أنه دخل لصندوق الاستفتاء ليضع ورقة “لا” فأحس بهيبة غريبة وتيبست أطرافه، 
فوضع “نعم” وكأنه مخدر..

اليوم، نحن بإزاء نمط جديد للإشاعة، إشاعة تحترم ذكاء المتلقي، تتوفر على الحد الأدنى للانسجام، تحاول أن تربط بين وقائع، وتقدم أرقاما ومراجع بغض النظر عن صدقيتها.. إشاعة تنتشر في دقائق بفعل المحمول الإلكتروني، إشاعة تصعب محاصرتها، ولا تنفع معها بلاغات التكذيب المفتقرة لأي عمق حجاجي، وتنتمي إلى أنماط خطابية بائدة، لا تختلف عن فن “الترسل” سوى في التقعير/التخشيب اللغوي..

ما علاقة ما سبق بساعة حمادي؟

كل ما يصدر عن المواطنين من ردود أفعال، كانت احتجاجات أم مقاطعة، أم نكتا.. أو حتى إشاعات، يعتبر تصويتا سلبيا على الطريقة التي يحكم بها البلد.. أما تلك الساعة، ومع استئناف التلاميذ لالتحاقهم بالأقسام بعد العطلة، فسيكون لسان عقاربها: 
”را غادي للخسران أ حمادي”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.