الحوار المنتظر

09/11/2018 - 13:37

لا يمكن أي مغربي إلا أن يؤيد الدعوة الملكية إلى حوار صريح ومباشر مع الجزائر، ذلك الخصم العنيد، واقتراحه إحداث آلية سياسية مشتركة يُتفق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها، مع ترك الباب مفتوحا أمام الجزائر لتقترح بدورها الشكل الذي تراه مناسبا. وهي دعوة لا شك أنها لقيت ترحيبا وسط المغاربة، وربما وسط الجزائريين أيضا، خصوصا على طرفي الشريط الحدودي في شرق المغرب وغرب الجزائر ممن تربطهم «أواصر الـــدم والقرابة». لكــــن، لمـــاذا هذه الدعوة الآن؟ وهـــل تلقــى آذانـــا صاغية لــدى الطرف الآخر؟

هناك ثلاثة سياقات يمكن أن تساعدنا في فهم خلفيات الدعوة الملكية الجديدة إلى الحوار مع الجزائر؛ يتعلق السياق الأول بالدعوة الأممية إلى حوار مباشر بين المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو يومي 5 و6 دجنبر المقبل بجنيف، إذ من المقرر أن يجتمع الأطراف الأربعة حول «طاولة نقاش»، يعول المبعوث الأممي «هورست كوهلر» على أن تتحول إلى «طاولة تفاوض» بهدف تحقيق اختراق ما في إدارة ملف التفاوض حول الصحراء، خصوصا بعدما وافقت الجزائر على حضور الاجتماع، وهي التي ظلت ترفض حوارا مباشرا مع المغرب بحجة أن النزاع حول الصحراء يعني طرفين فقط هما: المغرب وجبهة البوليساريو. السياق الثاني، عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، الذي تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بينه وبين الجزائر، سواء في أجهزة الاتحاد أو في المنظمات الإقليمية (الصراع داخل «الإيكواس»)، أو في ساحات النفوذ (نيجيريا، جنوب إفريقيا…). يتعلق السياق الثالث بالوضع السياسي في المغرب، وهو سياق يتسم بالأزمة، وشعور عام بالقلق والإحباط، مع غياب أي عرض سياسي مقنع منذ «الانقلاب» الناعم على نتائج الانتخابـــات التشريعية لـ2016.

في هذا الإطار، تكشف الدعوة الملكية إلى الحوار مع الخصم العنيد على الهواء مباشرة أن قنوات الاتصال مغلقة، رغم وجود تمثيل دبلوماسي متبادل بين البلدين في العاصمتين، علما أن الدعوة إلى الحوار في الخطب الملكية ليست أمرا جديدا، بل تكررت بصيغ مختلفة، منها الدعوة المباشرة إلى فتح الحدود المغلقة من قبل الجزائر منذ 1994. كما تكشف الدعوة الملكية رهانات سياسية أيضا، لعل أهمها تطويق الجزائر قبل لقاء جنيف المقبل، ودفعها إلى حوار جدي وحقيقي، بما في ذلك تحميلها المسؤولية ضمنيا عن استمرار الوضع القائم، خصوصا أن الساسة هنا وهناك يعرفون أن موافقة الجزائر على حضور لقاء جنيف المقبل مجرد مناورة، إذ إنها ترفض مسبقا أي حوار جدي ليس حول قضية الصحراء فقط، وإنما حــول مجمل التحديات والتهديدات المشتركة على الصعيد الثنائي والإقليمـــي والدولي.

لذلك، لا يبدو لي أن الدعوة الملكية ستجد الآذان الصاغية في قصر المرادية، لأسباب كثيرة، منها ما هو استراتيجي، كون النظام الجزائري الحالي معاديا بطبيعته للمغرب، رغم الكلام المعسول الذي يُدبّج به الرئيس بوتفليقة رسائله إلى الملك محمد السادس في المناسبات الدينية والوطنية، ومنها هو ما ظرفي، كون الجزائر تعيش منذ شهور توترا عالي المستوى داخل النواة المتحكمة في الدولة والسلطة، وأقوى الأدلة على ذلك واقعة اعتقال 5 جنرالات بتهم الفساد ثم إطلاق سراحهم بعد ذلك، وهي واقعة تشير إلى صــــراع قوي بين قائد الأركان العامة للجيــش، أحمد قايد صالح، وبين آل بوتفليقـــة وحلفائهـــم داخل قصر الحكم.

بعدما كان يُتصور أن قرارات تسريح نحو 20 ضابطا ساميا في الجيش واعتقال 5 منهم هي قرارات نظام وليس قيادة الأركان، ويظهر من التطورات الأخيرة أنها جزء من وقائع صراع غير معلن بين قيـــادة الأركان (قايد صالح) والماسكيــــن بالرئيس المريض في رئاسة الجمهــورية. وهــــو صراع مرشح للتصعيد خلال الأشهـــر المقبلة مع اقتراب الانتخــــابات الرئاسيــة المقــررة في ربيع 2019.

الحوار مع الخصم مطلوب دائما، والمبادرة إلى ذلك في كل وقت لا ينبغي أن نملّها، لكن لو صحّ العزم في الجهة الأخرى لكان كافيا طرق باب السفير المغربي هناك، أو أبواب أخرى تعرفها الدول العاقلة جيدا، حينما تجعل المصلحة العليــا لشعوبها فوق الحسابات الضيقة، وفي غيــاب ذلك، ما علينا إلا أن نصر على الانتظــــار دون ملل، من أجل فضيلة الحوار.

شارك المقال