المشاعر الجياشة لا تأخذنا على حين غرة، والجنازة التي أقيمت للأجيال الصاعدة في هذه البلاد سبقتها حالة احتضار مريرة. لا يمكننا، بأي حال، أن نحس وكأننا تلقينا طعنة غادرة. هذه نتيجة طبيعية للسماح بكل ذلك التشويه الذي طال الاستراتيجيات بعيدة المدى للسياسات العامة. إن الميوعة الجارية لا تزداد سوى حدة، ودون شك، فإن السيطرة ستؤول إلى كل هؤلاء الذين صنعوا لنا جيلا غارقا في التفاهة، فهو، في المحصلة الأخيرة، صناعة مدبرة تحاك لمجتمع بأكمله.
التفاهة هنا ليست كما صاغها بحكمة ميلان كونديرا، في روايته «حفلة التفاهة»، بل هي ذلك التركيب الذي يسمح بالسيطرة. وقد صاغ تعريفها بمهارة ألان دونو (Alain deneault) في كتابه «نظام التفاهة» (La Médiocratie)، حين قال: «لا لزوم للكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتنميط».
إنك وأنت ترخي شفتيك بتثاقل ينطوي على غباوة، إنما تستسلم عنوة لنظام يسيطر فيه رجال محددون على كل شيء؛ أولئك الذين نسميهم التقنوقراط. إن الانهيار القيمي لم يحدث وكأنه نيزك سقط من السماء، وإنما بدأ يوم شرع هؤلاء يسيطرون تدريجيا على الدولة، ويجربون الوصفات في أي شيء يتحرك، ولقد كانت البداية من اللبنة الحيوية للمجتمع، أي المدرسة. لقد جرب التقنوقراط، الذين جرى تقديمهم وكأنهم هدية مباركة، كل شيء. وفي غالب الأحوال، ما كان لهؤلاء أن يفسدوا الأعمال أكثر مما كان سيفعل السياسيون المنتخبون، لكن وضعهم المتعالي منحهم قدرة على أن يفسدوا أكثر.
وبالطبع، ومثل ما يفكر أي تقنوقراطي، كانت الخطة بسيطة؛ تحويل كل شيء إلى سلعة، وحيثما كان هناك طلب، يجب أن يكون هناك عرض مغر. أصبح مطلوبا من المدرسة أن تنتج عمالا متوسطي المهارة، ويملكون الخنوع الضروري لكي يعملوا ساعات طويلة دون شكوى، في سلاسل إنتاج لامتناهية بحوالي الحد الأدنى للأجر. لكن الاستراتيجيات الخاطئة التي بذلت في سبيلها الملايير من الدراهم، تكفلت أيضا بجعل المدرسة العمومية أيضا مكانا موحشا ومفزعا. وحيث لا يوجد في عقل التقنوقراط شيء ليس للبيع، فإنه كما يخوصص المؤسسات العامة بلهفة كبيرة، لا يهمه كثيرا إن أغلقت المدارس أبوابها، ثم دُمرت وبيعت لاحقا لمطورين عقاريين لإنشاء شقق مكاتب.
التقنوقراط الذين سلمت لهم دفة القيادة، فيما يتلقى السياسيون المنتخبون الضربات، جعلوا الجامعات مقيدة بحاجة السوق، ثم حولوا المهنة إلى وظيفة للبقاء؛ وإلى طريق جديد للاستعباد. وبالطبع يتكفل السياسيون، المتدثرون بقناع الأخلاق، بتوضيب القوانين الملائمة.
التقنوقراط الذين مُنحوا سلطة واسعة لتقرير مصير وطن بأكمله، ضيعوه في منتصف الطريق، لكن من سنحاسب نحن؟ لا أحد. لقد فُوّضت إليهم سلطة القرار السياسي في الاقتصاد والصناعة والتجارة، وهو الملعب المفضل عندهم، ثم خططوا بفضل جبن السياسيين المنتخبين، وباسم الحكامة، لجعل كل شيء في خدمة الاقتصاد، ليس هذا الاقتصاد الوطني الذي يكافح الأهالي لتنميته، وإنما تلك الاقتصاديات المحصورة في مصالح جماعة من الأفراد. ويمكنكم ببساطة التحقق من ذلك بواسطة الاطلاع على الأرباح السنوية التي تحققها شركاتهم، أو المبالغ المالية الهائلة التي يبيعون بها شركاتهم التي لم تكن ذات بال قبل عقد ونصف. لقد حولوا الدولة إلى شركة خاصة بالفعل.
التقنوقراط الذين حولوا السياسة إلى إدارة، كما هو مطلوب حسب التعريف، لم يتركوا أي شيء دون تسليعه. ولأنهم لا يخضعون لمحاسبة شديدة، فإنهم يفعلون ما يريدون وكأنهم رعاة بقر في الغرب المتوحش. الميزانيات المرصودة لاستراتيجيات عظيمة سرعان ما تضيع في الطريق، وأسوأ ما يمكن أن يصيب التقنوقراطي، وهو يخضع للمحاسبة بسبب ذلك، هو تلقيه بعض التقريع المكتوب بعناية في دفاتر يكتبها قضاة ماليون محبطون.
هؤلاء التقنوقراط الذين تخلصوا، منذ درسوا في كليات التجارة، من أي رابط بمنظومة القيم والمبادئ، مستمرون في جعل إدارة الشأن العام، كما قال دونو، مجرد تقنية إدارة، وهم يحاولون جاهدين تغيير كل ملامح مفهوم الإرادة الشعبية، واستبدالها بأي شيء آخر يمكنه أن يضفي مسحة من القبول.
إن تسليع الوطن، وهو الخدمة الوحيدة التي يؤديها التقنوقراط بإتقان، أدى بالفعل إلى إنتاج جيل من الضباع. وفي مرحلة يتحين فيها هذا الجيل الفرصة للسيطرة، فإن الوحيدين الذين سيعاقَبون هم السياسيون المنتخبون. أما الذين تكفلوا بتربية ذلك الجيل، فإنهم قد سيطروا منذ مدة طويلة، ومن المؤكد أن كل ما سيفعلونه، إن سقطت البلاد، هو أن يحزموا أمتعتهم وينتقلوا للعيش في أحد عناوين سكنهم في الغرب.