الفواجع الصادرة عن القضاء هذه الأيام لا تنتهي. بعد الحكم الصادر ضد الصحافي توفيق بوعشرين بـ12 سنة سجنا نافذا، والذي حطم كل الأرقام القياسية في تاريخ العلاقة المتوترة بين الصحافة والقضاء، جاء الحكم القاسي على الناشط مرتضى إعمراشن بسبب نشاطه في حراك الريف، بتأييد الحكم الابتدائي القاضي بسجنه خمس سنوات كاملة، وقبلهما تأييد الحكم الابتدائي على مستوى الاستئناف في حق عفاف برناني، الشابة التي رفضت المشاركة في صناعة التهمة التي يحاكم من أجلها بوعشرين.
بخصوص ملف بوعشرين، تمت صناعة التهمة اعتمادا على ثلاث شكايات، الأولى منها مجهولة المصدر، والثانية والثالثة لسيدتين لم تقدما أي شيء يثبت ادعاءاتهن للنيابة العامة، وتبيّن لاحقا أنه لا وجود لتسجيلات تخصهن، ومع ذلك اعتمدت النيابة العامة على الشكايتين وأمرت بالبحث فيها، لتقوم الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بتحريك « كوموندو » من 40 رجل أمن لاعتقال مدير جريدة معروف بطريقة « هيتشكوكية ». ومنذ الساعة الأولى للتحقيقات التي استمرت 72 ساعة، تبيّن أن التهمة جاهزة، لا ينقصها سوى مشتكيات يقبلن دور الضحية. وبالفعل، فقد ظهر طيلة أطوار المحاكمة التي استمرت 86 جلسة ما يثبت أنها محاكمة سياسية لصحافي مشاكس قبل أن تكون قضائية، وقد أتـى الحكم القضـــائي الابتدائــي في جنح الظـــلام ليلة السبت 10 نونبر الجــاري ليؤكــد ذلك.
أما عفاف برناني فلا ذنب لها، سوى أنها تجرأت على الطعن بالزور في محضر ضابط أمن من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أراد منها أن تكون مشتكية ضد بوعشرين، كما فعلت أخريات، لكن عفاف رفضت أن تلعب دور الضحية رغم الضغوط، وكانت لها الشجاعة للطعن بالزور في محضر الضابطة القضائية. لم يقبل العقل الأمني شجاعة برناني، فقام بتحريك المتابعة في حقها بتهمة التبليغ عن وقائع تعلم بعدم وقوعها، وبناء على شكاية حكمت عليها المحكمة بـ6 أشهر حبسا نافذا، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف قبل أيام.
قد تكون قضية مرتضى إعمراشن مستقلة من حيث الموضوع عن قضيتي بوعشرين وبرناني، لكنها قضايا واحدة من حيث الجوهر، كونها تكشف عن تغول القبضة الأمنية إلى الحد الذي بات يهدد الاستقرار الاجتماعي، ما دفع سياسيين كبار إلى التحذير من الانفجار. اعمراشن اعتقل بتهمة التحريض والإشادة بالإرهاب، وقد حكمت عليه محكمة الإرهاب بسلا قبل سنة بخمس سنوات سجنا نافذا، لأن النيابة العامة رأت في تدوينتين له ما يفيد الإشادة بالإرهاب، ولأن إعمراشن أجاب في الهاتف بأجوبة تهكمية عن أسئلة مستفزة من شخص ادعى أنه صحافي ورفضت المحكمة إحضاره للاستماع إلى شهادته. لم تقرأ النيابة العامة باقي تدوينات إعمراشن على « فايسبوك »، وأغمضت عينها عن كل الوقائع المناقضة التي تؤكد اعتدال ووسطية إعمراشن، وهو من الذين فازوا بجائزة السلام الدولــــية التي تمنحها منظمة « البحث عن أرضية مشتــــركة ». لقد تبيّن أن محاكمة اعمراشن ليست بسبـــب تدويناتـــه، وإنما بسبب دوره الهادئ والسلمي في حراك الريف.
نحن أمام انتقام ممنهج بواسطة القضاء على المعارضين لتجريف الحقل السياسي والاجتماعي، سواء أكان هؤلاء المعارضون صحافيون أو محتجون أو سياسيون أو حقوقيون، وهذا الوضع الذي يزداد سوءا كل يوم منذ سنة 2016 هو نتيجة لأسباب منها: أولا، تنامي نفوذ وسطوة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي باتت لأول مرة في يد واحدة، كما سجّل ذلك الجامعي والقيادي اليساري محمد الساسي، وهي حالة رافقها صعود حالة « أمننة » شاملة في تفسير كل صغيرة وكبيرة، وفي اتساع المقاربة الأمنية تجاه المشكلات. وثانيا، استسلام الأحزاب السياسية تحت وابل النقد لواقعها الهش، وتخليها عن دورها في الاعتراض ونقد السياسات المتبعة، وقد أشاع ذلك حالة خوف وسط السياسيين والنخب، بل أصبح أكثر السياسيين جرأة يحسبون ألف مرة قبل التفوه بكلمة، تكون- إن نطقوا بها- فاقدة للمعنى في أغلب الأحيان. ويظهــر ذلك، ثالثــا، في الصحافـــة التــي تحــوّل معظمــها إلى التطبيــــل والتزميـــر للأجهزة الأمنيــة والقضائية، فاختلطـــت الأدوار، وتاه أكثــر النابهين رشدا.
هو زمن القبضة الأمنية إذن، حيث لا جواب عن الأسئلة سوى السوط.