أخطر المجرمين

21 نوفمبر 2018 - 14:24

لو تأملنا العالم جيدا لاكتشفنا أن لا شيء تغير منذ جدنا الديناصور: الشر هو الشر والخير هو الخير، والإنسان أخطر وحش على وجه البسيطة، لا يجاريه في الشراسة الأسد ولا النمر ولا التمساح ولا بقية سكان الغابة المحترمين. كائن دموي يأكل لحم أخيه، ويشرب نخب احتيالاته في كل العصور، في كأس أو سطل أو جمجمة. اخترع السيف والبارود والقنبلة النووية، أباد الأشجار والحيوانات والأسماك، وجرب إبادة نفسه أكثر من مرة. سواء كان ناطقا أو أخرس، الإنسان حيوان نصاب بطبعه، يحتال على الطبيعة والجماد والتاريخ والجغرافيا والعقل والعاطفة، يلبس قناع الود والعطف والرحمة كي يموه فريسته ويخرج انيابه في الوقت المناسب وغي المناسب، كل يوم يحاول أن ينتصر على بدائيته ويفشل. أنظر إلى الجثث التي تسقط في كل لحظة، وتأمل الحروب والمقالب والخناجر والسيوف والبنادق والرشاشات، والدماء التي تسفك في كل أنحاء الأرض منذ آدم. بحر أحمر على كوكب أزرق، تضليل وتغرير ولعب بالعقول والغرائز عبر كل الوسائل، وفيلم يتكرر بسيناريوهات متشابهة وممثلين متناسخين ونهايات مأساوية. النفس البشرية أمّارة بالسوء، ولقطة الحجر الكبير وهو يهشم الرأس الصغير، مازالت تتكرر إلى ما لا نهاية. قابيل يقتل هابيل في كل لحظة ولا أحد يأخذ العبرة من الدم الذي ينادي الدم. وحدها التفاصيل الخارجية تبدلت، لكن العمق عابر للقرون والحقب والأزمنة. الإنسان الذي يبني هو الإنسان الذي يهدم، مَن رفع الأهرام وسور الصين وتمثال الحرية، هو من حرق روما وبغداد ومخطوطات تمبكتو وهدم برلين وحلب ومبنى التجارة العالمية. القشور تزول، واللب لا يتغير. اكتشف النار أو الكهرباء، التليفون أو الإنترنيت، صعد إلى الإيفريست أو إلى القمر، ابن آدم هو ابن آدم، يتألم ويبكي، يفرح ويحزن، يغار ويحسد، يغضب ويشتم، يقبّل ويعضّ، يموت ويولد… آلة من الأحاسيس، تعيد إنتاج نفسها إلى الأبد. وإذا كنا بدأنا بالنط في الأدغال، وانتهينا بالتقافز على غوغل وفيسبوك وتويتر، فإن الفضل يعود إلى أشخاص مروا قبلنا ورسموا الطريق بنعالهم وتعبهم وغبار أقدامهم، وجثثهم أحيانا. لحسن الحظ أنهم عبروا من هنا وتركوا أثار خطواتهم على الطريق. الكبار الذين أمضوا حياتهم يفتشون عن طرق لترويض الوحش واكتشاف الإنسان في الانسان، وتركوا لنا “وصفاتهم”. كلما اقتربت من العمالقة تحس أنك قزم. أشخاص مثلنا، أو تقريبا مثلنا، لكنهم أخرجونا من الظلمات إلى النور، من التردد إلى اليقين، أومن اليقين إلى التردد. بفكرة أو كتاب أو اختراع، غيروا العالم. موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وسقراط وابن رشد وسبينوزا، وأرخميدس والخوارزمي وأينشتاين، عليهم السلام أيضا. كل الذين تعرضوا للنبذ والتنكيل لأنهم تشبثوا بأفكارهم وقناعاتهم يستحقون تماثيل في متحف الحرية. خذوا الحكمة من أفواه الجدات: «كل شاة تعلق من حوافرها». التاريخ يعلمنا أنه من الحكمة ترك كل واحد يعتقد ما يشاء، والإنسان لم يتغير، منذ خلقه الله أو الطبيعة أو البين بونغ أو الصدفة، حسب معتقدات كل واحد. مؤمنون أو ملحدون، بوذيون أو مجوسيون… الأقزام مدينون للعمالقة، لولاهم لما كان الإنسان هو الإنسان والعالم هو العالم!

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.